من “طوفان الأقصى” إلى طوفان في الأقصى: تخوفات من لحظة إعادة تعريف المسجد الأقصى نفسه
كتب: د. عمر الجيوسي
حين يصبح الاقتحام عادة… والإغلاق سيادة
لم يعد أخطر ما يحدث في المسجد الأقصى هو الاقتحام بحد ذاته، بل اعتياد الاقتحام. ولم يعد أخطر ما يهدد الأقصى هو الإغلاق الطارئ، بل تحوّل الإغلاق إلى قرار سيادي يُمارس بلا كلفة سياسية تُذكر.
نحن اليوم أمام لحظة فارقة، لا تُقاس بعدد المقتحمين ولا بساعات الإغلاق، بل بمدى اقتراب لحظة إعادة تعريف المسجد الأقصى نفسه: زمانًا، ومكانًا، وإدارةً، ووظيفةً.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بوضوح: هل ما يجري في المسجد الأقصى مجرد إجراءات أمنية متفرقة، أم أننا أمام مشروع متدرّج لإعادة تشكيل هوية المسجد وفرض واقع دائم عليه في ظل اشتعال المنطقة وانشغال العالم؟
فكرة “المقدس المشترك”: البوابة الأخطر لإعادة تشكيل الواقع
إن تجربة الإغلاق الطويل للمسجد، ثم إعادة فتحه بقرار من سلطات الاحتلال نفسها، لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق أوسع يسعى إلى تكريس فكرة أن التحكم في فتح المسجد وإغلاقه أصبح شأنًا سياديًا. ومع تكرار هذه الإجراءات، يُخشى أن يتحول الإغلاق والفتح إلى ممارسة اعتيادية تُضعف حساسيتها في الوعي العام، وتمهّد لتقبل خطوات أكثر خطورة في المستقبل.
في هذا السياق، يبرز خطر توظيف سياسات الإغلاق والفتح المشروط كمدخل لفرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى.
فالمسار المتدرج الذي يبدأ بإغلاق شامل، ثم فتح مقيّد، يتبعه توسيع ساعات الاقتحام وفرض أنماط جديدة من الوجود داخل المسجد، يعكس رؤية بعيدة المدى تستهدف تكريس فكرة “المقدس المشترك”، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى توزيع الأوقات والأماكن داخل المسجد، وتحويل هذا التوزيع إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه.
من شرطة مؤقتة إلى إدارة أمر واقع
ولا يقل خطورة عن ذلك التحول المتنامي في طبيعة الدور الذي تؤديه شرطة الاحتلال داخل المسجد الأقصى. فمع تحكمها في مواعيد الدخول وتنظيم حركة المصلين وفرض رقابة عسكرية مباشرة على ساحاته، يتشكل تدريجيًا نموذج إدارة أمر واقع، ينتقل فيه الدور من الإشراف الأمني المؤقت إلى ممارسة صلاحيات ذات طابع إداري دائم، بما يطال جوهر الصلاحيات التاريخية للجهات الإسلامية المشرفة على المسجد.
الأوقاف الأردنية… خط الدفاع الذي يُراد إضعافه
كما أن تقييد عمل دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية، وتحديد أعداد موظفيها، والتحكم في أنشطتها داخل المسجد يمثل حلقة أخرى في هذا المسار. فإضعاف القدرة الإدارية والدينية للأوقاف، وتحويل حضورها إلى وجود رمزي محدود، يمهّد لإعادة تشكيل بنية الإدارة داخل المسجد، بما يفرغ الدور الإسلامي من مضمونه الحقيقي، ويفتح المجال أمام ترتيبات بديلة تخضع لاعتبارات القوة لا لاعتبارات الحق التاريخي.
ولا يقتصر أثر هذه الإجراءات على الجانب الإداري فحسب، بل يمسّ بصورة مباشرة دور دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية، التي تمثل الامتداد العملي للوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية في المسجد الأقصى. إن أي مساس بصلاحيات الأوقاف، أو تقليص قدرتها على إدارة شؤون المسجد، لا يُعد إجراءً إداريًا عابرًا، بل يشكل مساسًا بمرجعية قانونية وتاريخية معترف بها، ومحاولة لإعادة تشكيل ميزان الإدارة داخل المسجد بما يتجاوز الإطار الذي استقر عليه عبر عقود.
تفريغ المكان.. تمهيد لفرض الحضور البديل
وفي موازاة ذلك، تتصاعد وتيرة الاقتحامات وفرض الطقوس داخل ساحات المسجد، بما ينقل هذه الاقتحامات من مستوى الحضور الرمزي إلى محاولة فرض حضور ديني دائم يغير طبيعة المكان ووظيفته.
ومع فرض قيود متزايدة على دخول المصلين ومنع الأنشطة الطبيعية داخله، يتعزز خطر تفريغه تدريجيًا من حضوره البشري الإسلامي، وهو ما يشكل شرطًا أساسيًا لفرض أي ترتيبات جديدة في المستقبل.
حين تنشغل المنطقة تمرّ القرارات الكبرى بصمت
ولا يمكن تجاهل أن فترات الأزمات والحروب الإقليمية تُستغل في كثير من الأحيان لتمرير تغييرات حساسة في واقع المسجد، مستفيدة من انشغال الإقليم وتراجع الاهتمام الدولي.
وفي ظل هذا المناخ، تتزايد المخاوف من تمرير تشريعات وإجراءات قانونية تمهّد لنقل المرجعية الدينية والإدارية للمسجد إلى جهات غير إسلامية، بما يفتح الباب أمام إعادة تعريف طبيعة الأنشطة داخله وتقليص مظاهر الحياة الإسلامية فيه.
الوصاية الهاشمية… خط الحماية الذي لا يجوز إضعافه
إن تراكم هذه الإجراءات، الأمنية والإدارية والتشريعية، يشير إلى مسار متكامل لا يمكن النظر إليه بوصفه سلسلة أحداث منفصلة. فالمحصلة النهائية لهذا التدرج قد تقود إلى لحظة حسم تُفرض فيها ترتيبات نهائية على هوية المسجد ووظيفته.
وفي هذا السياق، فإن حماية دور الوصاية الهاشمية ودائرة الأوقاف الأردنية في القدس ليست مسألة إدارية فحسب، بل تمثل أحد أعمدة حماية الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى، وأي إضعاف لهذا الدور يفتح الباب أمام تغييرات تتجاوز حدود الإدارة إلى جوهر الهوية.
لحظة الاختبار التاريخي للأوقاف الأردنية
وفي ظل ما يجري، تبدو دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية في القدس على أعتاب لحظة مفصلية، قد تكون من أخطر اللحظات منذ عقود. فالمسار الذي يتشكل على الأرض لا يستهدف تغيير واقع المسجد الأقصى فحسب، بل يحمل في طياته مؤشرات مقلقة على محاولة تقليص الدور الفاعل للأوقاف تدريجيًا، وصولًا إلى تحويله إلى دور شكلي محدود، يُستدعى عند الحاجة ويُهمَّش عند اتخاذ القرار.
إن هذه اللحظة لا تحتمل التردد، ولا يكفي فيها الاكتفاء بردود الفعل المتأخرة، أو إدارة التفاصيل اليومية تحت ضغط الوقائع. فحماية دور الأوقاف الأردنية اليوم ليست مسألة إدارية، بل ضرورة لحماية الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى ذاته.
من “طوفان الأقصى” إلى طوفان في الأقصى
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للأقصى ليس أن يتعرض لاعتداء جديد، بل أن نعتاد الاعتداء حتى نفقد القدرة على إدراك خطورته.
لقد كان طوفان الأقصى لحظة أعادت القضية إلى مركز الوعي، لكنه في الوقت ذاته فتح مرحلة شديدة الحساسية، يُخشى أن تتحول فيها الوقائع المتراكمة داخل المسجد إلى طوفان في الأقصى نفسه، لا يجرف الحجر فحسب، بل يجرف الوعي والحقوق إن تُرك بلا مواجهة واعية.
المسؤولية اليوم لا تقع على جهة واحدة، بل على وعي جماعي يدرك أن التغيير في الأقصى لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسلل خطوة بعد خطوة، حتى يصبح الأمر واقعًا لا يُقاوم بل يُدار.
وإن لم تُقرأ هذه المرحلة قراءة دقيقة، وتُبذل الجهود السياسية والقانونية والإعلامية لحماية الوضع التاريخي والقانوني للمسجد، فإن الانتقال من طوفان الأقصى إلى طوفان في الأقصى لن يكون احتمالًا بعيدًا، بل نتيجة طبيعية لمسار تُرك دون مواجهة.
The post من “طوفان الأقصى” إلى طوفان في الأقصى: تخوفات من لحظة إعادة تعريف المسجد الأقصى نفسه appeared first on السبيل.





