من سيدفع ثمن حافة الهاوية مع إيران؟
حين يلوّح دونالد ترامب باستخدام القوة لتدمير إيران وإجبارها على توقيع اتفاق يلبي شروطه، فإن السؤال لا يكون فقط عن مدى جدية هذا التهديد، بل عن حدود المغامرة، ومن سيتحمل كلفتها الفعلية إن تحولت الكلمات إلى أفعال.
في ظاهر الأمر، يبدو الخطاب صادمًا، أقرب إلى التهور منه إلى السياسة. لكن في عمقه، هو امتداد لنهج أمريكي قائم على “حافة الهاوية”: رفع سقف التهديد إلى أقصاه من أجل انتزاع تنازلات على طاولة التفاوض. هذه ليست لغة حرب بقدر ما هي لغة ضغط، غير أن خطورتها تكمن في أنها قد تُشعل حربًا لم يكن أحد ينوي خوضها.
فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، تدرك أن المواجهة مع إيران ليست عملية جراحية سريعة، بل حرب مفتوحة متعددة الجبهات. إيران ليست دولة معزولة بلا أدوات، بل لاعب إقليمي يمتلك قدرة على الرد غير المتكافئ، بدءًا من استهداف القواعد العسكرية، مرورًا بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وصولًا إلى توسيع رقعة الاشتباك عبر ساحات متعددة.
وهنا، يبرز السؤال الأكثر حساسية: أين ستقع جغرافيا الرد؟
الجواب المؤلم أن جزءًا كبيرًا منها لن يكون في واشنطن ولا حتى في طهران، بل في قلب الخليج. فدول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بما تمتلكه من بنية تحتية حيوية في الطاقة والكهرباء والمياه، تمثل أهدافًا مغرية في أي سيناريو تصعيدي. وقد أثبتت أحداث سابقة أن هذه المنشآت، رغم تطور أنظمة الحماية، ليست بمنأى عن الضربات.
لكن هل يعني ذلك أن الخليج محكوم بالدمار؟
ليس بالضرورة. فقد شهدت السنوات الأخيرة تحولات مهمة في قدرات الدفاع الجوي، والتنسيق الأمني، وبناء منظومات استجابة سريعة. كما أن دول الخليج لم تعد مجرد ساحات انتظار، بل أصبحت أكثر انخراطًا في إدارة التوازنات، سعيًا لتقليل احتمالات الانفجار.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة الصعبة: أي مواجهة واسعة لن تكون نظيفة أو محدودة. فالحروب، بطبيعتها، تتجاوز حسابات من يشعلها، وتفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها بسهولة.
من هنا، فإن التهديدات الأمريكية، مهما بدت محسوبة، تحمل في طياتها مخاطرة حقيقية. ليس لأن واشنطن تريد الحرب، بل لأن منطق التصعيد قد يقود إليها دون قصد. والتاريخ مليء بحروب بدأت برسائل ردع وانتهت بكوارث مفتوحة.
إن أخطر ما في هذه اللحظة ليس فقط ما يُقال، بل ما يمكن أن يُساء فهمه. فبين التهديد والرد، وبين الرسالة والتأويل، قد تضيع المسافات الآمنة، وتبدأ دوامة لا يستطيع أحد السيطرة عليها.
الخلاصة:
المنطقة اليوم تقف على حافة معادلة دقيقة: قوة مفرطة في التهديد، وهشاشة كامنة في الواقع. وإذا كانت واشنطن تراهن على الضغط، فإن طهران تراهن على القدرة على الإيلام، وبين الرهانين يقف الخليج، لا كلاعب مباشر في الصراع، بل كأكثر من قد يدفع ثمنه.
إن السؤال لم يعد: هل ستقع المواجهة؟ بل: من سيحتوي نتائجها إن وقعت؟
ففي لعبة حافة الهاوية، قد ينجو من يلوّح بها، وقد يناور من يهدد…
لكن من يقف في المنتصف، هو من سيدفع الثمن أولًا.




