
مصطفى المنوزي
لقد استنفد المسار التشريعي إلى حد بعيد سؤالًا لازم المحاماة طوال مراحل صناعة القانون: من نخاطب؟
خاطبنا الحكومة، والوزارة، والبرلمان، والمؤسسات، والرأي العام، وانتقل القانون في النهاية من المشروع إلى النص النافذ. ومنذ تلك اللحظة تغير السؤال؛ لأن القانون الذي كان موضوع تفاوض أصبح قاعدة ملزمة، وأصبح المطلوب الانتقال من محاولة منع صدوره إلى تدبير آثاره ومنازعته والعمل على استدراك اختلالاته.
وهنا يطرح سؤال جديد: من خصمنا الآن؟
ينبغي الحذر في الجواب حتى لا يسقطنا الوشاة في فخ العصيان المجرم ، فالخصم ليس الدولة، لأن المحاماة جزء من البناء الدستوري للعدالة، ولا يمكنها أن تخوض معركة دولة القانون ضد الدولة نفسها. وليس الخصم بالضرورة شخص الوزير، حتى إذا كان قد اضطلع بدور مركزي في هندسة النص والدفاع عنه ؛ إن الخصم الحقيقي هو منطق تشريعي وآثاره المؤسساتية: كل ما يؤدي إلى إضعاف التنظيم الذاتي، وتحويل الرقابة إلى حلول، والتأهيل إلى ضبط، والاستقلال الوظيفي إلى استقلال شكلي، وكل ممارسة مستقبلية يمكن أن توسع هذه الاختلالات عند تنزيل القانون ، و لعل هذا التحديد بالغ الأهمية؛ لأن الخطأ في تعريف الخصم يقود حتمًا إلى الخطأ في اختيار الوسيلة.
القوة التي تملكها المحاماة :
يقال إن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ، ولكن القوة ليست جنسًا واحدًا، ولا ينبغي اختزالها في صورتها الصلبة ؛ فللقانون قوة، وللمؤسسة قوة، وللتنظيم قوة، وللمعرفة قوة، وللحجة قوة، وللرأي العام قوة، وللقضاء قوة، وللامتناع المهني المنظم قوته، كما أن للاستمرار وطول النفس قوة قد تفوق أثر المواجهة الظرفية. وإذا كانت النخبة المهنية الواعية لا تملك أجهزة الإكراه التي تملكها الدولة، فإنها تملك ما يلائم طبيعتها ووظيفتها: القانون ضد الاختلال في القانون ، وهنا يكتسب مبدأ توازي الشكليات دلالة سياسية ومهنية أوسع من استعماله القانوني التقني: فما أُنتج بواسطة المؤسسات ينبغي استدراكه بواسطة المؤسسات؛ وما أُقر بالتشريع ينازع بالتشريع والقضاء والآليات الدستورية؛ وما اكتسب قوة القانون لا يواجه بالخروج عن القانون، وإنما باستنفاد القوة الكامنة داخله ؛ فليس من المعقول أن تدافع المحاماة عن دولة القانون بالتخلي عن أدوات دولة القانون.
«المحامون الذين فُرض عليهم التشريع قسرًا وإذعانًا»
يمكن أن يشكل هذا الشعار عنوانًا لمرحلة جديدة، بشرط فهم «القسر» هنا بمعناه المؤسساتي والسياسي: الشعور بأن النص انتهى إلى النفاذ رغم عمق الاعتراض المهني عليه وعدم تحقق التوافق الذي كانت المهنة تنتظره ؛ لكن الشعار لا ينبغي أن يتحول إلى هوية دائمة للمهنة ، فنحن لا نريد محاماة المظلومية، بل محاماة الاسترداد المشروع ، ولا نريد أن نبقى أسرى سردية «ما فُرض علينا»، بل أن ننتقل سريعًا إلى سؤال: ماذا نستطيع أن نفعل بما بقي بين أيدينا من قوة؟
ومن هنا تبدأ المرحلة الأصعب والأكثر نضجًا: الانتقال من الاحتجاج على القانون إلى إدارة الصراع حول مآلاته.
هل نتوافق أولًا على علة مشتركة؟
قبل الانتقال من سؤال الخصم إلى سؤال الوسائل، ثمة سؤال سابق ينبغي ألا نتجاوزه: هل نتفق أصلًا على تحديد العلة المشتركة التي تبرر استمرار المنازعة؟
فقد لا نتفق جميعًا على أن كل مقتضيات القانون تشكل تراجعًا، ولا على الدرجة نفسها من خطورة كل مادة. وقد يرى بعضنا في مقتضى معين مساسًا باستقلال المهنة، بينما يراه آخر مجرد إعادة تنظيم للرقابة. وقد نختلف في تقدير الآجال، والتأديب، وسلطات النقيب، وأدوار النيابة العامة، والتكوين، والولوج، وغيرها. إن هذا الاختلاف ليس عيبًا ينبغي إخفاؤه، بل تعبير طبيعي عن تعدد المقاربات داخل مهنة يفترض فيها أصلًا أن تحتمل الاختلاف في التأويل والحجاج ، لكن هل نحتاج، حتى نبقى موحدين، إلى الاتفاق على جميع المؤاخذات؟
في تقديري، لا. فيكفينا أن نبحث عن العلة المشتركة الدنيا التي يمكن أن يلتقي حولها المختلفون. وهنا تبرز الوضعية الدستورية الخاصة التي أحاطت بنفاذ القانون: لقد أحيل النص على المحكمة الدستورية، لكن الرقابة لم تصل إلى الفصل في مطابقته أو عدم مطابقته للدستور، وانتهت المحكمة إلى تعذر البت في الإحالة «على حالها». ثم انتقل القانون، بعد ذلك، إلى التنفيذ والنفاذ.
لذلك فالأدق قانونيًا ألا نجزم أن القانون «أفلت» أو «تملص» من الرقابة الدستورية إذا كان في ذلك إيحاء بقصد متعمد لم يثبت، وإنما نقول شيئًا أقوى لأنه ثابت مؤسساتيًا:
نحن أمام قانون نافذ لم يكتمل فحص دستوريته رغم أن مسطرة الرقابة قد فُتحت بشأنه ؛ وهذه ليست مؤاخذة على مادة بعينها، بل على وضعية دستورية أحاطت بالقانون كله ، فالقانون سيظل مادة للإشتغال وموضوع للحوار او التنازع !
ومن هنا يمكن أن تتشكل أرضية مهنية مشتركة لا تشترط وحدة الرأي في مضمون النص ، فقد نختلف في أسباب الاعتراض، لكننا نستطيع الاتفاق على أن القانون الذي أصبح ملزمًا للمهنة لم يحصل، بسبب تعذر البت، على جواب دستوري في موضوع مطابقته للدستور ، كما قد نختلف في تقدير مواده، لكننا نستطيع الاتفاق على أن الأسئلة الدستورية التي أثارتها الإحالة لم تُحسم موضوعيًا ، وقد نختلف حتى في حجم التراجع الذي أحدثه، لكن يصعب أن نحول عدم اكتمال الفحص الدستوري إلى شهادة ضمنية بسلامة النص دستوريًا. وهنا ينبغي التمييز بين العلة الجامعة والمؤاخذات المتعددة ، لأن العلة الجامعة هي التي تسمح ببناء الحد الأدنى من الوحدة المهنية: قانون نافذ، كانت دستوريته محل منازعة، ولم تصل الرقابة بشأنه إلى حكم في الموضوع.
أما المؤاخذات، فتبقى متعددة ونسبية ومفتوحة على الاختلاف: هذا يعترض من زاوية استقلال التنظيم الذاتي، وذاك من زاوية حقوق الدفاع، وآخر من زاوية الأمن القانوني، وغيره من زاوية التكوين أو الولوج أو الحكامة أو التناسب أو الاختصاصات.؛وهكذا لا نحتاج إلى صناعة إجماع فقهي مصطنع حتى نبني وحدة نضالية حقيقية ؛ بل لعل قوة الوحدة تكمن تحديدًا في قدرتها على جمع اعتراضات مختلفة حول سؤال مشترك. غير أن هذه العلة، على أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء استراتيجية طويلة المدى ، فعدم اكتمال الرقابة الدستورية يفسر لماذا تظل المنازعة مشروعة ومفتوحة، لكنه لا يخبرنا وحده ماذا نريد تغييره في القانون. ولهذا ينبغي أن تعمل المهنة على مستويين متكاملين:
في المستوى الجامع، تتمسك بضرورة استكمال الشرط الدستوري للثقة في القانون وفتح السبل المتاحة لمراقبة دستوريته.
وفي المستوى التعددي، تترك لكل تيار ولكل هيئة ولكل محام حق تحديد مؤاخذاته وترتيب أولوياته واقتراح تعديلاته، على أن تتحول هذه القراءات المختلفة تدريجيًا إلى رصيد تعديلي مشترك حيث يكون الاتفاق ممكنًا ، وبذلك لا يكون شعارنا: يجب أن نتفق على أن القانون كله سيئ حتى نتوحد ضده ، بل تكون القاعدة أكثر نضجًا: نتوافق على العلة الجامعة، ونختلف بحرية في تشخيص العلل الجزئية، ثم نتفاوض مهنيًا حول الأولويات والبدائل.
وهنا يتضح أيضًا معنى أن تكون وحدتنا نضالية أكثر منها تقنية أو أداتية ، فالوحدة لا تعني أن تكون لنا القراءة نفسها، وإنما أن نعرف لماذا نستمر معًا رغم اختلاف قراءاتنا ، ومن هذه النقطة تحديدًا يصبح الانتقال مشروعًا إلى السؤال التالي:
إذا اتفقنا على الحد الأدنى من العلة، وقبلنا بتعدد المؤاخذات، فكيف نختار الوسائل التي تسمح لكل هذه القوى المختلفة بأن تعمل في اتجاه استراتيجي واحد؟
بعد تحديد الخصم يأتي سؤال الوسائل :
ليست كل الوسائل صالحة لكل لحظة، ولا ينبغي أن تتحول أداة واحدة إلى عقيدة نضالية ، ولهذا تبدو ثلاثية التنويع والتنسيب والتسقيف ملائمة للمرحلة :
فالتنويع يعني ألا تختزل المعركة في التوقف عن العمل وحده، ولا في التقاضي وحده، ولا في التفاوض وحده، بل يجري توزيعها بين الترافع المؤسساتي، والمبادرة التشريعية، والطعون المتاحة، والإعداد للدفع بعدم الدستورية متى أصبح ممكنًا، والتواصل العمومي، والإنتاج المعرفي، والتفاوض، والوساطة، والفعل المهني المنظم.
والتنسيب يعني أن تكون الوسيلة متناسبة مع الهدف والمرحلة وموازين القوة؛ فلا نستهلك أقصى وسائلنا لتحقيق مطلب جزئي، ولا نستعمل أضعف الوسائل عندما يتعلق الأمر بمقتضى يمس جوهر استقلال المهنة.
أما التسقيف فيعني أن تعرف المهنة مسبقًا الحدود التي لا ينبغي لأي شكل من أشكال الاحتجاج أن يتجاوزها: الشرعية، والسلمية، واستقلال القرار المهني، وعدم تحويل الصراع حول القانون إلى صراع مع الدولة أو المجتمع أو العدالة ذاتها.
وهكذا لا تصبح السلمية علامة ضعف، وإنما اختيارًا استراتيجيًا لطبيعة القوة التي تتناسب مع المحاماة.
الوحدة النضالية لا تستلزم وحدة الأداة :
وهذه، في تقديري، إحدى أهم قضايا المرحلة المقبلة ، فليس مطلوبًا من آلاف المحامين أن يتطابقوا في تقدير كل وسيلة، ولا أن تكون لهم القراءة نفسها لكل مادة، ولا أن يتحمسوا جميعًا للدرجة نفسها من التصعيد ، فيمكن الاختلاف حول الأداة مع الاتفاق على الغاية ، بل قد تكون محاولة فرض وحدة تقنية كاملة مصدرًا لتفكيك الوحدة المهنية نفسها.
لذلك ينبغي الانتقال من مفهوم وحدة الوسيلة إلى مفهوم وحدة القضية ، بأن نتوحد حول استقلال المحاماة وحقوق الدفاع والتنظيم الذاتي واستدراك مواطن التراجع، وأن نسمح في داخل هذه الوحدة بتعدد الأدوات وتدرجها وتنسيبها.
فالوحدة التي تحتاجها المهنة اليوم ينبغي أن تكون وحدة نضالية واستراتيجية أكثر منها وحدة تقنية وأداتية.
من معركة المنع إلى استراتيجية الاسترداد :
لقد انتهى زمن كان الهدف فيه منع النص من الوصول إلى نهايته التشريعية. وبدأ زمن مختلف: زمن استرداد ما يعتبره الجسم المهني قد انتقص من مكتسباته، وتصحيح ما يمكن تصحيحه، ومنع أسوأ التأويلات الممكنة للنص من أن تتحول إلى ممارسة مستقرة ، وهنا يتغير معنى القوة ؛ فالقوة المهنية ليست في رفع سقف الفعل إلى ما لا يمكن الاستمرار فيه، وإنما في امتلاك القدرة على الاستمرار والتدرج والتبديل والمراكمة والاستدراك ، وقد تكون المعركة الطويلة أكثر فعالية من المواجهة القصوى القصيرة.
ولهذا ينبغي أن تصبح كل أداة قابلة للسؤال: ماذا نريد منها؟
كم تستطيع أن تحقق؟ ما كلفتها؟ متى نبدأها؟ ومتى نوقفها أو نستبدل بها غيرها؟
عندها فقط ننتقل من رد الفعل إلى إدارة القوة المهنية.
لقد سألنا أثناء صناعة القانون: من نخاطب؟
وبعد صدوره نسأل: ما الذي نناهضه تحديدًا؟
وبعد تحديده ينبغي أن يكون السؤال الثالث أكثر عملية:
بأي قوة نسترد المبادرة؟
إن الجواب الذي ينسجم مع طبيعة المحاماة واضح: بقوة القانون، وقوة التنظيم، وقوة المعرفة، وقوة الاقتراح، وقوة التقاضي والترافع، وقوة الرأي العام، وبكل أشكال الاحتجاج السلمي الحضاري المشروع، موزعة وفق التنويع والتنسيب والتسقيف.
فالمعركة التي فُرضت على المحامين لا ينبغي أن تدفعهم إلى اختيار أرض خصمهم المفترض أو أدواته، بل إلى استرداد التفوق في الأرض التي يعرفونها أكثر من غيرهم: أرض القانون والحقوق والحجة والمؤسسات ، وبذلك لا يكون الرهان أن نكون أقوى من الدولة، وإنما أن نكون أقوى داخل دولة القانون. ولا تكون الغاية كسر مؤسسة بمؤسسة، بل استدراك اختلال داخل الدولة بأدوات الدولة نفسها؛ لأن النصر الذي يضعف منظومة العدالة ليس نصرًا للمحاماة، كما أن انتصار مؤسسة على أخرى بإضعافها لا يصنع دولة أقوى ، ومن هنا يمكن أن يكون شعار المرحلة أعمق من مجرد مقاومة قانون مفروض: وحدة في القضية، تعدد في الوسائل، تدرج في القوة، وسلمية في التدبير، واستمرار حتى الاستدراك .
The post من سؤال المخاطَب إلى سؤال الخصم : المحاماة واستراتيجية استرداد القوة بالقانون appeared first on أشطاري 24 | Achtari 24 - جريدة الكترونية مغربية.



