الصحوة: علياء الجردانية
لم تبدأ حكاية يسرى وسعيد بزواجٍ جمعهما، وإنما بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة، حين كانا طفلين يركضان في أزقة قريتهما البعيدة عن ضجيج المدن. كبرا معًا، وتعلقا ببعضهما منذ الصغر، حتى أصبح الجميع يعرف أن لكل واحد منهما مكانًا في قلب الآخر، وأن الأيام ستقودهما يومًا إلى بيت واحد.
ومع مرور السنوات، كبر الطفلان وكبرت معهما الحكاية. أكملا دراستهما الثانوية، ثم انتقلت يسرى إلى محافظة مسقط لتواصل تعليمها وتتخصص في مجال التعليم، بينما اختار سعيد أن يبدأ حياته العملية مبكرًا، فاتجه إلى العمل في الصحراء في مجال النفط والغاز.
وبعد أن أصبحا شابين، جاء اليوم الذي انتظرته العائلتان طويلًا؛ تقدم سعيد إلى خطبة يسرى، ابنة عمه ورفيقة طفولته، وتم الزواج وسط فرحة الأهل والأقارب. ظنت يسرى أن الحكاية التي بدأت في طفولتها ستكتمل كما حلمت، وأن البيت الذي جمعها بحبيبها سيكبر يومًا بأصوات أطفالهما.
لكن السنوات حملت معها اختبارًا لم يكن في الحسبان.
حملت يسرى أكثر من مرة، لكنها كانت تفقد حملها في كل مرة، لتعود من جديد إلى نقطة الانتظار. ومع تكرار فقدان الحمل، أصبح حلم الأمومة يؤلمها أكثر مما يفرحها؛ فهي ترى النساء اللواتي في مثل عمرها يحملن أطفالهن، بينما تعود هي إلى بيتها بقلب مثقل بسؤال لا تجد له جوابًا: متى سيأتي طفلها؟
كانت التجمعات العائلية أكثر قسوة عليها؛ بعض الكلمات والتلميحات كانت تصلها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فتشعر بالإحراج وتخفي ألمها خلف الصمت. ولم تكن الضغوط تأتي من الخارج فقط، فقد كانت والدة سعيد تشعره باستمرار برغبتها في رؤية أحفادها، وتضغط عليه للزواج من امرأة أخرى.
كانت يسرى تعرف أن الأمر ليس بيدها، لكنها كانت تشعر مع مرور الوقت وكأنها هي من تتحمل وحدها تبعات أمر لم تختره.
مرت سنوات طويلة، وتكررت محاولات الإنجاب، حتى جاء اليوم الذي جلست فيه يسرى أمام الرجل الذي أحبته منذ طفولتها، لتسمع منه ما لم تكن مستعدة لسماعه.
أخبرها سعيد بأنه يريد الزواج من امرأة أخرى.
كانت الكلمات كالصاعقة.
لم يكن وقعها عليها كوقع خبر عابر؛ فهذا لم يكن مجرد زوج، بل كان ابن عمها ورفيق طفولتها، والرجل الذي ظنت أن حياتها ستستمر معه كما بدأت. شعرت يسرى أن سنوات الحب والذكريات والانتظار تقف كلها أمامها في لحظة واحدة، ثم تنهار.
لم تستطع أن تتقبل فكرة أن يصبح لها شريكة في الرجل الذي أحبته، فطلبت منه الانفصال.
بعد الانفصال، عادت يسرى إلى بيت أهلها، وانشغلت بعملها وحاولت أن تمضي في حياتها، إلا أن آثار التجربة لم تكن سهلة التجاوز.
أما سعيد، فتزوج وكون أسرة، ثم بنى بيتًا بالقرب من بيت طليقته السابقة.
وهنا بدأت مرحلة أخرى من الألم.
كانت يسرى تراه من حين إلى آخر، يمر أمامها مع زوجته وأطفاله، فتعود إليها ذكريات الماضي دفعة واحدة؛ تتذكر الطفلين اللذين كانا يركضان في القرية، والشابين اللذين حلما بالزواج، والزوجين اللذين انتظرا طفلًا لم يأتِ، ثم اليوم الذي انتهت فيه الحكاية.
كان بيت سعيد القريب منها أشبه بذكرى حية لا تستطيع الهروب منها.
لكن الحياة، التي أخذت منها شيئًا عزيزًا، كانت تخبئ لها شيئًا آخر.
تقدم إليها شاب خلوق، وفتح لها بابًا جديدًا لم تكن تتوقع أن تدخله. ومع الوقت، وجدت معه الأمان الذي كانت تحتاج إليه، وعرفت أن نهاية زواجها الأول لم تكن نهاية فرصتها في السعادة.
ثم جاء الجبر الذي انتظرته سنوات طويلة.
رزقها الله بمولود، حملته بين ذراعيها بعد سنوات من الحرمان، وأصبحت أمًا كما حلمت طويلًا.
كانت تحتضنه وتشبع من قربه، وكأنها تعوض بين ذراعيه سنوات الانتظار كلها.
لم تستطع يسرى أن تستعيد سنوات مضت، ولا أن تمحو ذكريات حب الطفولة والانفصال، لكنها حصلت في النهاية على حياة جديدة، وعلى طفل كانت تحلم به منذ سنوات.
وأحيانًا، لا يأتي التعويض في الوقت الذي نريده، ولا بالصورة التي رسمناها في خيالنا، لكنه يأتي حين نظن أن كل شيء قد انتهى.
أما يسرى، فبعد أن ظنت أن فقدان حب طفولتها وحرمانها من الأمومة سيبقيان جرحًا مفتوحًا إلى الأبد، وجدت نفسها يومًا تحتضن طفلها، وتدرك أن بعض النهايات ليست سوى بداية لحكاية أخرى.





