🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
210986 مقال 125 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 2158 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

من مراجعة الماضي إلى صناعة المستقبل: قراءة في تجربة حزب البعث

العالم
jo24
2026/06/04 - 20:17 501 مشاهدة

 
الأحزاب السياسية لا تُقاس فقط بما رفعته من شعارات، ولا بما امتلكته من رموز تاريخية، بل تُقاس بقدرتها على تحويل أفكارها إلى مؤسسات، وبرامج، وممارسات، ونتائج ملموسة في حياة الناس. فالحزب الذي يبقى أسير الماضي، مهما كان ماضيه مؤثرًا، يفقد مع الوقت قدرته على مخاطبة الأجيال الجديدة وصناعة المستقبل.
لقد جاء حزب البعث العربي الاشتراكي في مرحلة عربية قلقة، كانت الأمة فيها تبحث عن التحرر من الاستعمار، وعن الوحدة بعد التجزئة، وعن العدالة بعد الفقر والتفاوت، وعن الكرامة بعد الهزائم السياسية والعسكرية. لذلك حمل الحزب شعارات كبيرة: الوحدة، الحرية، الاشتراكية. وكانت هذه الشعارات في وقتها تعبيرًا عن طموح عربي واسع، وعن رغبة في بناء نهضة قومية تتجاوز حدود الدولة القطرية الضيقة.
غير أن المشكلة لم تكن في الشعار ذاته، بل في المسافة التي نشأت لاحقًا بين الشعار والتطبيق. فقد ظلّت الوحدة، في كثير من الأحيان، حلمًا عاطفيًا أكثر من كونها مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا قابلًا للتنفيذ. وبقيت الحرية شعارًا مركزيًا، لكنها لم تتحول دائمًا إلى ديمقراطية داخلية حقيقية أو إلى قبول فعلي بالتعدد والاختلاف. أما الاشتراكية، فقد فُهمت أحيانًا بوصفها سيطرة الدولة والحزب على الحياة العامة، بدل أن تكون أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وحماية الفئات المنتجة والضعيفة.
ومن المحطات المهمة في تاريخ الحزب اختيار الدكتور منيف الرزاز للأمانة العامة في عام 1965. وكان ذلك الاختيار، من حيث المبدأ، خطوة إيجابية؛ فقد جاء الرزاز من خلفية فكرية وسياسية محترمة، وكان معروفًا برصانته، وثقافته، ونظافته الأخلاقية، وقدرته على التعبير عن البعد الفكري للحزب. كما أن اختياره عكس رغبة، ولو مؤقتة، في تقديم قيادة مدنية وفكرية قادرة على تهدئة الصراعات الداخلية وإعادة التوازن إلى الحزب.
لكن هذه اللحظة الإيجابية كشفت في الوقت نفسه عن مشكلة أعمق. فقد جاء اختيار الرزاز في مرحلة لم تكن فيها الإدارة الحزبية مستقرة، بل كانت تعاني من صراعات داخلية بين القيادة القومية والقيادات القطرية، وبين المدنيين والعسكريين، وبين أصحاب الرؤية الفكرية وأصحاب النفوذ التنظيمي والسلطوي. وقد أصبح الرزاز أمينًا عامًا في وقت كانت فيه الخلافات قد تجاوزت حدود النقاش السياسي الطبيعي، ودخلت في مرحلة صراع على القرار والشرعية والسلطة داخل الحزب. وتذكر المصادر التاريخية أن ميشيل عفلق شغل موقع الأمين العام حتى عام 1965، ثم خلفه منيف الرزاز في الفترة 1965–1966، وهي الفترة التي سبقت الانقسام الكبير للحزب بعد أحداث 1966.
وهنا تظهر إحدى أهم مشكلات الحزب الإدارية في تلك المرحلة: أن الحزب امتلك شخصيات فكرية كبيرة، لكنه لم يمتلك نظامًا إداريًا قادرًا على حماية المؤسسة من الصراع الداخلي. فالقيادة لم تكن مدعومة بما يكفي من آليات واضحة لإدارة الخلاف، وتوزيع الصلاحيات، وضبط العلاقة بين الفكر والتنظيم، وبين الحزب والسلطة، وبين القيادة المدنية والنفوذ العسكري. ولهذا لم يكن اختيار شخصية محترمة مثل منيف الرزاز كافيًا لإنقاذ الحزب من أزمته؛ لأن المشكلة لم تكن في الشخص فقط، بل في البنية التنظيمية والإدارية نفسها.
ومن أهم أوجه القصور في التجربة البعثية أن الحزب، في مراحل مختلفة، لم ينجح في بناء مؤسسة أقوى من الأفراد. فالرموز المؤسسة لها مكانتها ودورها التاريخي، ولكن الحزب الذي يبقى متعلقًا بالرمز أكثر من المؤسسة يضعف مع الزمن. إذ لا يمكن لأي حزب أن يتجدد إذا بقيت شرعيته مرتبطة بالأسماء لا بالبرامج، وبالذاكرة لا بالكفاءة، وبالولاء الشخصي لا بالعمل المؤسسي.
كما عانى الحزب من ضعف واضح في إدارة الخلاف الداخلي. فالاختلاف الفكري والسياسي داخل الأحزاب ليس خطرًا إذا وُجدت مؤسسات قادرة على تنظيمه، بل هو مصدر قوة وتجديد. أما عندما يُنظر إلى الاختلاف كتهديد، فإن الحزب ينتقل من الحوار إلى الإقصاء، ومن التنوع إلى الانقسام، ومن التنظيم السياسي إلى الصراع الداخلي. وهذا ما أضعف كثيرًا من قدرة الحزب على الاستمرار كجسم موحد ومتطور.
ومن القصور الكبير أيضًا أن بعض التجارب البعثية خلطت بين الحزب والدولة، وبين التنظيم والوطن، وبين السلطة والمجتمع. وهذا الخلط ألحق ضررًا بالغًا بالفكرة الحزبية نفسها. فالحزب، في جوهره، يجب أن يكون وسيلة لخدمة الدولة والمجتمع، لا بديلًا عنهما. وعندما يتحول الحزب إلى سلطة مغلقة، أو إلى جهاز فوق المجتمع، فإنه يفقد روحه السياسية، ويتحول من مشروع نهضوي إلى أداة حكم.
كذلك لم ينجح الحزب بالقدر الكافي في تطوير برنامجه الاقتصادي والاجتماعي بما ينسجم مع تغير الزمن. فالحديث العام عن الاشتراكية لم يعد كافيًا. الناس اليوم تسأل عن فرص العمل، والإنتاج، والزراعة، والصناعة، والتعليم، والصحة، والنقل، والطاقة، والفقر، والضرائب، وكرامة العامل، ومستقبل الشباب. وإذا لم يقدّم الحزب إجابات عملية لهذه الملفات، فإن شعاراته ستبقى بعيدة عن احتياجات المجتمع اليومية.
أما في الأردن، فإن أي تفكير في إحياء الحزب أو تجديد حضوره يجب أن يبدأ من فهم الواقع الأردني نفسه. الأردن ليس ساحة لاستنساخ تجارب الآخرين، ولا يجوز لأي حزب وطني أن يعيش على ذاكرة خارجية أو على صراعات إقليمية سابقة. المطلوب هو حزب وطني أردني الهوية، عربي الانتماء، اجتماعي التوجه، ديمقراطي السلوك، يعمل من داخل المجتمع الأردني، ويخاطب هموم الأردنيين اليومية بلغة واقعية ومسؤولة.
إن إحياء الحزب في الأردن لا يكون بالعودة إلى الماضي كما هو، بل بالانتقال من مرحلة الحنين إلى مرحلة البناء. وهذا يتطلب أولًا مراجعة فكرية صريحة تعترف بأن التجربة لم تكن كاملة، وأن هناك أخطاء في التنظيم، وفي إدارة السلطة، وفي العلاقة مع المجتمع، وفي فهم الحرية، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية. الاعتراف بالأخطاء ليس ضعفًا، بل شرط ضروري لأي بداية جديدة.
كما يتطلب التجديد بناء ديمقراطية داخلية حقيقية. فلا معنى لحزب يتحدث عن حرية المجتمع ولا يمارس الحرية داخل صفوفه. يجب أن تكون القيادة قابلة للتغيير، والقرارات قابلة للنقاش، والعضوية قائمة على المشاركة لا على الطاعة، والخلاف محكومًا بالنظام لا بالأشخاص. فالحزب الذي يريد أن يقنع الناس بالمستقبل يجب أن يقدم في داخله نموذجًا لذلك المستقبل.
ويجب كذلك إعادة تعريف الاشتراكية بصورة معاصرة. فالاشتراكية التي يحتاجها الأردن ليست شعارات جامدة ولا صراعًا مع القطاع الخاص، بل هي عدالة اجتماعية منتجة. وهي تعني دعم الصناعة والزراعة، وتشجيع التعاونيات، وحماية العامل، وتطوير التعليم المهني، وتوسيع الطبقة الوسطى، وتوزيع التنمية على المحافظات، ومحاربة الفقر دون قتل روح المبادرة والعمل والاستثمار.
أما الوحدة العربية، فيجب أن تُفهم اليوم بصورة عملية وعقلانية. الوحدة لا تبدأ بالشعارات الكبرى، بل بالتعاون الاقتصادي، وتكامل الأسواق، وتسهيل التجارة، وربط البنية التحتية، والتعاون في التعليم، والطاقة والمياه والصناعة. فالعروبة الحقيقية في زمننا ليست خطابًا عاطفيًا فقط، بل مشروع مصالح مشتركة يحمي الدول العربية ويقوي شعوبها.
كذلك يجب على الحزب أن يفتح أبوابه للشباب والنساء والمهنيين وأصحاب الخبرة. فالحزب الذي يبقى حبيس الجيل القديم لن يستطيع أن يصنع مستقبلًا جديدًا. الشباب لا يريدون خطابات طويلة عن الماضي فقط، بل يريدون دورًا، ومسؤولية، وتدريبًا، وفرصة حقيقية للمشاركة في القرار. والمرأة يجب ألا تكون حضورًا شكليًا، بل شريكًا كاملًا في القيادة والعمل السياسي والاجتماعي.
ومن الضروري أيضًا أن يتحول الحزب من حزب شعارات إلى حزب ملفات. عليه أن يقدم برامج واضحة في الاقتصاد، والبطالة، والتعليم، والصحة، والنقل، والطاقة، والمياه، والبلديات، والضمان الاجتماعي، والإصلاح الإداري. فالمواطن لا ينتظر من الحزب أن يشرح له التاريخ فقط، بل ينتظر منه أن يقول ماذا سيفعل غدًا لتحسين حياته.
إن مستقبل أي حزب في الأردن، بما في ذلك حزب البعث، يتوقف على قدرته على أن يكون جزءًا من الحل لا جزءًا من الذاكرة فقط. المطلوب حزب يحترم الدولة، ويخدم المجتمع، ويؤمن بالتعددية، ويرفض الإقصاء، ويقدم برنامجًا وطنيًا واضحًا، ويعيد قراءة العروبة والعدالة والحرية بمنطق القرن الحادي والعشرين.
الخلاصة أن البعث، إذا أراد أن يستعيد دوره، عليه أن يبدأ من مراجعة الماضي لا من تمجيده فقط، ومن بناء المستقبل لا من استدعاء الذكريات. عليه أن يتحول من حزب رموز إلى حزب مؤسسات، ومن حزب شعارات إلى حزب برامج، ومن حزب تاريخ إلى حزب حياة يومية.
فالأحزاب لا تنهض لأنها كانت عظيمة في يوم من الأيام، بل تنهض عندما تثبت أنها ما زالت قادرة على خدمة الناس، وفهم الزمن، وتقديم الأمل العملي للمستقبل.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free