من معان إلى دمشق: الأردن في قلب الثورة العربية الكبرى
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كتب م. نبيل إبراهيم حداد -
في ذكرى انطلاق الثورة العربية الكبرى في 10 حزيران 1916، عندما أعلن الشريف الحسين بن علي الثورة على الحكم العثماني من الحجاز، نستذكر واحدة من أهم المحطات المفصلية في التاريخ العربي الحديث. فلم يكن ذلك التاريخ مجرد بداية لحركة عسكرية، بل كان إعلاناً عن رغبة عربية مشروعة في الحرية والكرامة والحكم الذاتي، وفي التخلص من سياسات التهميش والمركزية المتزايدة التي فرضتها الدولة العثمانية في سنواتها الأخيرة.
جاءت الثورة العربية الكبرى نتيجة تراكمات سياسية وإدارية وفكرية امتدت لعقود، في وقت كانت فيه الدولة العثمانية تضعف، وكانت القوى الأوروبية تترقب لحظة الانقضاض على إرثها وتقاسم مناطق نفوذها. وقد شكّل يوم 10 حزيران 1916 انتقالاً تاريخياً من مرحلة المطالبة بالإصلاح واللامركزية إلى مرحلة العمل السياسي والعسكري من أجل التحرر والاستقلال.
ومن هنا، فإن استذكار هذه المناسبة لا يجب أن يكون مجرد احتفال رمزي براية أو معركة أو ذكرى، بل مناسبة لقراءة التجربة بوعي تاريخي متوازن؛ قراءة تحترم التضحيات، وتفهم الظروف، وتستخلص الدروس من التحديات التي واجهت المشروع العربي في تلك المرحلة.
المنطقة العربية قبل الحرب العالمية الأولى
خلال العشرين عاماً التي سبقت الحرب العالمية الأولى، كانت معظم البلاد العربية في المشرق ما تزال تحت الحكم العثماني، بما في ذلك بلاد الشام، والعراق، والحجاز، واليمن. وفي المقابل، كانت كثير من البلاد العربية في شمال أفريقيا ووادي النيل قد وقعت فعلاً تحت السيطرة أو النفوذ الاستعماري الأوروبي؛ فالجزائر كانت تحت الاحتلال الفرنسي وتونس تحت الحماية الفرنسية، ومصر كانت تحت الاحتلال البريطاني منذ عام 1882، كما خضع السودان للحكم الثنائي البريطاني ـ المصري بعد عام 1899، بينما تعرضت ليبيا لاحقاً للاحتلال الإيطالي.
وهذا يعني أن المنطقة العربية لم تكن تملك مركزاً سياسياً موحداً يستطيع تنسيق موقف عربي شامل. كما أن التنسيق مع العرب في شمال أفريقيا ووادي النيل كان شديد الصعوبة، لأنهم كانوا خاضعين أصلاً لهيمنة استعمارية أوروبية وخاصة النفوذ البريطاني في مصر والسودان، الذي كان يراقب الحركة السياسية، ويتحكم بالصحافة، والتنقل والاتصالات، والعمل العام.
لذلك، لم تكن الثورة العربية الكبرى نتيجة قرار مؤسسي عربي جامع، بل انطلقت أساساً من الحجاز بقيادة الشريف الحسين بن علي، وشاركت فيها قوى عربية من ضباط ووجهاء وقبائل وحركات قومية في عدد من الأقاليم العربية.
المركزية العثمانية وتزايد الشعور العربي بالضيق
بعد انقلاب جمعية الاتحاد والترقي عام 1908، ظن كثير من العرب أن عودة الدستور العثماني ستفتح الباب أمام المساواة، واللامركزية، واحترام اللغة العربية، والاعتراف بالخصوصية القومية للعرب داخل الدولة العثمانية. لكن هذه الآمال بدأت تتراجع سريعاً عندما اتجهت السلطة الجديدة في إسطنبول إلى مزيد من المركزية والتتريك السياسي والإداري.
شعر العرب أن دورهم السياسي يتراجع، وأن لغتهم لا تأخذ مكانها الطبيعي، وأن الولايات العربية تُدار بعقلية مركزية لا تراعي خصوصيتها. كما شعر عدد من الضباط والمثقفين والوجهاء العرب أن الدولة العثمانية لم تعد تتعامل معهم كشركاء، بل كأطراف تابعة يجب ضبطها من المركز.
ومن المهم الإشارة إلى أن العرب لم يكونوا صفاً واحداً في موقفهم من الانفصال عن الدولة العثمانية. فقد بقيت شرائح واسعة ترى في الخلافة رابطة دينية وسياسية راسخة، فيما فضّل كثير من العلماء والنخب في بلاد الشام والعراق العمل على إصلاح الدولة من الداخل بدلاً من الانشقاق عنها. وكان بعض الوجهاء يخشون أن يكون استبدال الحكم العثماني بحكم آخر بديلاً من رحى إلى أشد منها وطأة في ظل الطموحات الأوروبية المتربصة. ومع ذلك، فإن الشعور العربي العام بالضيق من سياسات إسطنبول المتتركة كان يتصاعد، وقد رجحت كفة العمل التحرري في نهاية المطاف مع انحياز ضباط الجمعيات القومية السرية إلى الثورة.
الأردن والثورة العربية الكبرى
من المهم التأكيد أن العرب في الأردن لم يكونوا خارج الحركة العربية أو بعيدين عن الثورة. فقد دعم كثير من أبناء الأردن وقبائله ومجتمعاته الثورة العربية الكبرى منذ مراحلها الأولى، وشاركوا فيها باعتبارها جزءاً من الحركة العربية العامة الهادفة إلى التحرر والاستقلال.
لقد كان الأردن جزءاً مهماً من الجغرافيا العسكرية والسياسية للثورة. فقد أسهمت القبائل والقوى المحلية في معان والطفيلة، والكرك، ومناطق أخرى من الأردن، في دعم تقدم القوات العربية شمالاً. ولم تكن الثورة محصورة في الحجاز، بل امتدت عبر الأردن باتجاه سوريا. ومن هنا، فإن أهل الأردن لم يكونوا مجرد مراقبين للأحداث، بل كانوا من الداعمين والمشاركين في الثورة العربية الكبرى، ويجب أن يُنظر إلى دورهم باعتباره جزءاً أصيلاً من المساهمة العربية الأوسع في تلك المرحلة التاريخية.
الهدف المشروع للثورة
حملت الثورة العربية الكبرى هدفاً سياسياً وأخلاقياً واضحاً: التحرر من السيطرة العثمانية، وبناء حكم عربي يعبر عن هوية العرب، ولغتهم، وتاريخهم، ومصالحهم. لم يكن العرب يطلبون أن يستبدلوا حكماً أجنبياً بآخر، بل كانوا يتطلعون إلى الاستقلال والكرامة الوطنية.
لكن المأساة التاريخية تمثلت في أن الثورة وقعت في وسط حرب عالمية كبرى، كانت القوى الإمبراطورية فيها تتحرك وفق مصالحها لا وفق مبادئ التحرر وحق الشعوب في تقرير مصيرها. فبينما كان العرب يرون في الثورة طريقاً إلى الاستقلال، كانت بريطانيا وفرنسا تنظران إلى انهيار الدولة العثمانية باعتباره فرصة لإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحهما الاستراتيجية.
التحديات الكبرى التي واجهت الثورة
أولاً: الاعتماد على وعود بريطانية غير مضمونة
كان من أبرز التحديات التي واجهت الثورة العربية الكبرى اعتماد القيادة العربية على الوعود البريطانية، خصوصاً ما ورد في مراسلات الشريف الحسين ـ مكماهون (1915-1916). وقد اعتقد الشريف الحسين والقيادة العربية أن دعم بريطانيا للثورة سيقود بعد الحرب إلى قيام دولة عربية مستقلة. غير أن هذه التفاهمات لم تتحول إلى اتفاق دولي واضح وملزم ومضمون. فقد احتوت المراسلات على عبارات قابلة للتفسير، وفي الوقت ذاته كانت بريطانيا تتحرك في مسارات أخرى، منها اتفاقية سايكس ـ بيكو السرية مع فرنسا عام 1916، ثم وعد بلفور المتعلق بفلسطين عام 1917 وهكذا وجد العرب أنفسهم أمام تناقض خطير: فقد دخلوا الحرب على أمل الاستقلال، بينما كانت القوى الأوروبية تتفاوض سراً على النفوذ والانتداب وتقسيم المنطقة.
ثانياً: غياب مؤسسة سياسية عربية موحدة
افتقرت الثورة العربية الكبرى إلى مؤسسة سياسية عربية جامعة تستطيع أن تتحدث باسم جميع الأقاليم العربية. لم يكن هناك برلمان عربي، ولا مؤتمر قومي دائم، ولا هيئة تمثيلية تملك تفويضاً واضحاً من العرب في مختلف المناطق هذا الغياب أضعف الموقف التفاوضي العربي. فقد اعتمدت الثورة إلى حد كبير على قيادة الشريف الحسين بن علي والمشروع الهاشمي، رغم ما كان لهذه القيادة من مكانة دينية وسياسية. لكن المشروع القومي العربي كان يحتاج إلى مؤسسة سياسية أوسع، قادرة على صياغة برنامج دستوري واضح، وتمثيل العرب أمام العالم. فالثورات لا تحتاج إلى الشجاعة والسلاح فقط، بل تحتاج أيضاً إلى مؤسسات تستطيع حماية نتائجها السياسية.
ثالثاً: محدودية الاستقلال العسكري
حققت الثورة العربية الكبرى إنجازات عسكرية مهمة، وخاصة في ضرب خطوط الإمداد العثمانية، واستهداف سكة حديد الحجاز، وإرباك الحركة العسكرية العثمانية. وقد ساعدت هذه العمليات في إضعاف السيطرة العثمانية ودعم تقدم الحلفاء في المنطقة. لكن الثورة لم تكن تملك قوة عسكرية مستقلة كافية لفرض شروطها السياسية بعد الحرب فقد اعتمدت القوات العربية، بدرجات مختلفة، على الدعم البريطاني في التمويل والسلاح والمعلومات واللوجستيات وبذلك شارك العرب في إضعاف الدولة العثمانية، لكنهم لم يملكوا القوة الكافية للتحكم بمائدة التسوية السياسية بعد انتهاء الحرب.
رابعاً: ضعف التمثيل العربي في أوروبا
من التحديات الكبرى أيضاً غياب جماعات ضغط عربية قوية في العواصم الأوروبية. لم يكن للعرب في لندن وباريس وغيرهما من العواصم المؤثرة حضور منظم قادر على التأثير في الصحافة، والبرلمانات، والنخب الفكرية، ومراكز القرار وكان لهذا الغياب أثر خطير؛ فالقوى الأوروبية لم تكن تتحرك بالسلاح والاتفاقيات فقط، بل كانت تتحرك أيضاً عبر صناعة الرواية السياسية وتشكيل الرأي العام. كانت تقدم نفسها باعتبارها قوة حضارية أو إدارية أو حامية للأقليات، بينما كان الصوت العربي ضعيفاً في شرح حق العرب في الاستقلال.
خامساً: عدم القدرة على التنسيق مع العرب في شمال أفريقيا ووادي النيل
لم يكن غياب التنسيق مع العرب في شمال أفريقيا ووادي النيل مجرد قصور تنظيمي، بل كان نتيجة طبيعية للواقع الاستعماري في ذلك الوقت. فالكثير من المجتمعات العربية في شمال أفريقيا، إضافة إلى مصر والسودان، كانت تحت سيطرة أو نفوذ استعماري أوروبي مباشر أو غير مباشر. وكانت بريطانيا تسيطر عملياً على مصر منذ عام 1882، كما بسطت نفوذها على السودان من خلال الحكم الثنائي البريطاني ـ المصري بعد عام 1899. كانت السلطات الاستعمارية تتحكم بالحركة السياسية، وتراقب النخب، وتفرض قيوداً على الصحافة، وتحد من القدرة على التواصل مع المشرق العربي. لذلك، لم يكن من الواقعي توقع مشاركة عربية منظمة من شمال أفريقيا أو وادي النيل في الثورة، رغم وجود شعور قومي أو حضاري مشترك.
سادساً: غياب برنامج تفصيلي لبناء الدولة
حملت الثورة العربية الكبرى حلماً عربياً كبيراً، لكنها لم تكن تملك برنامجاً تفصيلياً كاملاً لبناء الدولة العربية المنشودة، فقد بقيت أسئلة جوهرية من دون إجابات واضحة: هل ستكون الدولة العربية مركزية أم اتحادية؟ كيف ستُدار بلاد الشام، والعراق، والحجاز، واليمن؟ ما دور المدن والقبائل والطوائف والوجهاء في الحكم الجديد؟ ما شكل الدستور؟ كيف ستُبنى الإدارة، والجيش، والمالية، والتعليم، والقضاء؟ إن غياب هذه التفاصيل لم يقلل من شرعية الهدف العربي، لكنه أضعف القدرة على تحويل الثورة من حركة عسكرية وسياسية إلى دولة مستقرة ذات مؤسسات. وقد استغلت القوى الأوروبية هذا الفراغ لتبرير نظام الانتداب.
سابعاً: عدم تقدير عمق الاستراتيجية الإمبراطورية الأوروبية
كان من التحديات الكبرى أيضاً عدم تقدير عمق التخطيط الإمبراطوري البريطاني والفرنسي. فبريطانيا وفرنسا لم تكونا مجرد حليفين في الحرب ضد الدولة العثمانية، بل كانتا إمبراطوريتين لهما مصالح طويلة الأمد في المنطقة. بريطانيا كانت تنظر إلى مصر، ووادي النيل، والسودان، وقناة السويس، والعراق، والخليج، وطرق التجارة والاتصال الإمبراطوري باعتبارها مصالح حيوية لا تقبل المساومة. وكانت سيطرتها على مصر والسودان تشكّل ركيزة لاستراتيجيتها في المشرق بأكمله، إذ كانت تستخدم القاهرة قاعدة للعمليات والتخطيط، بينما كان المسؤولون البريطانيون في مصر يرسمون السياسة العربية ويتحكمون بالاتصالات مع الشريف الحسين.
أما فرنسا، فكانت تطمح إلى تثبيت نفوذها في سوريا ولبنان، مستندة إلى مصالح تاريخية وثقافية وسياسية ممتدة منذ القرن التاسع عشر. وكان انهيار الدولة العثمانية بالنسبة للقوى الأوروبية فرصة لإعادة توزيع النفوذ لا لتحرير العرب. هنا تكمن واحدة من أقسى دروس تلك المرحلة: كان العرب يقاتلون من أجل التحرر، بينما كانت القوى الأوروبية تفاوض على وراثة أراضي الدولة العثمانية.
ثامناً: فلسطين والمشروع الصهيوني الناشئ
كانت فلسطين قبل الحرب العالمية الأولى وأثناءها تدخل مرحلة حساسة بسبب بدايات الهجرة الصهيونية وشراء الأراضي. وقد انتبه بعض القادة والكتاب والصحف العربية إلى خطورة هذه التطورات، إلا أن العالم العربي لم يكن يملك آنذاك استراتيجية موحدة لمواجهة المشروع الصهيوني الناشئ. ثم جاء وعد بلفور في الثاني من نوفمبر 1917 ليكشف حجم التناقض في السياسة البريطانية: فبريطانيا كانت تخاطب العرب بلغة الوعود، وفي الوقت ذاته تقدم التزامات تخص فلسطين دون موافقة أهلها ودون اعتبار للحقوق العربية فيها. لقد كان هذا التناقض من أخطر ما واجه العرب في تلك المرحلة، ولا تزال آثاره ممتدة في تاريخ المنطقة حتى اليوم.
تاسعاً: الفجوة بين النجاح العسكري والنتيجة السياسية
أسهمت الثورة العربية الكبرى في إضعاف الدولة العثمانية، وساعدت في تقدم الحلفاء، ورفعت راية عربية أصبحت رمزاً للأمل والكرامة. ودخلت القوات العربية دمشق في أكتوبر 1918، واعتقد كثيرون أن الحلم العربي اقترب من التحقق. لكن النتيجة السياسية جاءت أقل بكثير من حجم التضحيات. فبدلاً من قيام دولة عربية موحدة ومستقلة، خضعت المنطقة لنظام الانتداب وتقاسم النفوذ الذي كرّسه مؤتمر سان ريمو عام 1920؛ إذ وُضعت سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، بينما خضعت العراق وفلسطين والأردن لترتيبات الانتداب البريطاني. وهكذا ظهرت الفجوة المؤلمة بين المشاركة العربية في الحرب وبين المكافأة السياسية التي حصل عليها العرب بعد الحرب.
قراءة متوازنة للثورة العربية الكبرى
لا ينبغي قراءة الثورة العربية الكبرى بعاطفة وحدها، ولا ببرود سياسي يلغي معناها التاريخي. لقد كانت حركة شجاعة ذات هدف مشروع، لكنها واجهت بيئة دولية قاسية، وتحديات بنيوية كبيرة.
من إنجازاتها أنها أعادت إحياء الوعي السياسي العربي، ورسخت فكرة الهوية العربية، وفتحت الباب أمام دور عربي في تقرير مصير المنطقة. كما أنها أبرزت دور الأردن والحجاز وسوريا والعراق وغيرها من البلاد العربية في مشروع تحرري واحد، رغم اختلاف الظروف المحلية.
دروس للحاضر
إن أهم درس من الثورة العربية الكبرى هو أن القضايا العادلة لا يكفي أن تكون عادلة فقط؛ بل تحتاج إلى أدوات تحميها. تحتاج إلى مؤسسات، ووثائق، وضمانات، ودبلوماسية، وإعلام، ولوبيات، وخطط سياسية واقتصادية وإدارية واضحة.
كما أن التحالف مع القوى الكبرى قد يكون ضرورياً أحياناً، لكنه لا يجوز أن يقوم على الثقة وحدها. فالسياسة الدولية تُدار بالمصالح، والضمانات المكتوبة، وموازين القوة، لا بالنوايا الحسنة. والمجتمعات الدولية اليوم تتمسك بالقانون الدولي والمرجعيات الأممية تماماً كما كان ينبغي للقيادة العربية آنذاك أن تتمسك بوثيقة ملزمة لا بمراسلات قابلة للتأويل.
والدرس الثاني أن الوحدة العربية لا يمكن أن تبقى شعاراً عاطفياً فقط. يجب أن تتحول إلى تنسيق مؤسسي ومصالح مشتركة ورؤية اقتصادية وتمثيل دولي فعّال. فاليوم، وحين تواجه قضية كفلسطين انتكاساتها المتكررة، يظل غياب التمثيل القانوني والإعلامي المنظم واحداً من أبرز مكامن الضعف، في استمرارية مؤلمة لما عاناه العرب منذ مئة عام
والدرس الثالث أن بناء الدولة لا يكون بالحماس وحده. فالقوى الأوروبية استغلت غياب المشروع السياسي التفصيلي لفرض الانتداب. واليوم حين تُطرح مشاريع التكامل العربي أو إعادة إعمار ما دمّرته الصراعات، تظل الحاجة ماسة إلى خطط حوكمة واضحة وبرامج اقتصادية وإدارية متكاملة، لا إلى بيانات مبادئ عامة فحسب.
الخلاصة
في ذكرى انطلاق الثورة العربية الكبرى في 10 حزيران 1916، لا نستذكر حدثاً عسكرياً فقط، بل نستذكر لحظة تاريخية عبّرت عن رغبة عربية مشروعة في الحرية والاستقلال والحكم الذاتي. وقد شارك العرب في الأردن في هذه الحركة ودعموها منذ مراحلها الأولى، وكان لهم دور مهم في امتدادها شمالاً وفي حمل مشروعها القومي.
لكن الثورة واجهت تحديات كبرى؛ أبرزها غموض الوعود البريطانية وتناقضها مع اتفاقية سايكس ـ بيكو ووعد بلفور وغياب المؤسسة السياسية العربية الجامعة التي تفاوض باسم جميع الأقاليم، ومحدودية القوة العسكرية المستقلة وضعف اللوبي العربي في أوروبا، وعدم القدرة على التنسيق مع العرب في شمال أفريقيا ووادي النيل بسبب خضوعهم للاستعمار الأوروبي أو النفوذ البريطاني المباشر، وغياب برنامج تفصيلي لبناء الدولة، فضلاً عن الأطماع الإمبراطورية التي كانت تتحكم بمصير المنطقة.
لقد كان الحلم العربي أكبر من الأدوات السياسية والدبلوماسية المتاحة في ذلك الوقت. لذلك، فإن إحياء ذكرى 10 حزيران 1916 يجب أن يكون مناسبة للاحترام والتعلم معاً: احترام لتضحيات الثورة ورمزيتها، وتعلم من تحدياتها حتى لا تتكرر الفجوة بين الحلم والقدرة، وبين التضحية والنتيجة، وبين الشرعية السياسية وأدوات حمايتها





