من قال إننا نهرب دائمًا إلى النور؟
ناريمان الناشف
أنا… حين أتوه
لا أبحث إلا عن ظلالك،
وأنت… تعرف هذا جيداً.
تعرف أن بعض التيه مريح…
وأنّ الظلّ أحياناً أصدق من الضوء.
ربما لهذا…
لم يخبروني أنني لستُ الأولى.
تركوني أكتشف ذلك وحدي…
وكأن الحقيقة لا تُقال،
بل تُترك لتنمو داخلك… حتى تخنقك.
بدأ الأمر بتفصيلةٍ لا تُذكر.
كنت أكتب جملة في دفتري…ثم توقفت.
ليس لأنني عجزت عن إكمالها…
بل لأنني شعرت أنني متأخرة عنها، كأنها… كُتبت قبلي.
نفس الكلمات نفس التردد.
حتى نفس الخطأ الصغير… في الحرف.
مزّقت الصفحة، ضحكت، قلت: صدفة.
لكن الصدف لا تعود في اليوم التالي…وبنفس الخط.
وجدتها في سلة المهملات.
الجملة نفسها… لكن بخطٍ أدق،أهدأ،
كأن يداً أكثر ثقة مرّت من هنا… قبلي.
لم أقل شيئًا، بدأت أراقب.
تصرفاتي، كلماتي، انفعالاتي.
وفي كل مرة… كنت أصل بعدي.
دائماً هناك نسخة أفضل قليلًا…أسرع قليلًا…
أكثر إقناعاً… مني.
لم أكن أنا من يتغير…أنا فقط…لم أعد الأحدث.
حتى جاء الظرف، بلا اسم، بلا أثر.
كأنه لم يُرسل… بل وُجد، فتحتُه، صور، أنا…
لكن ليس أنا التي أعرفها.
أنا… في أماكنٍ لم أصلها.
أرتدي وجوهاً لم أجرّبها، وأبتسم…
ابتسامة لا تحتاج إلى جهد.
وفي الخلف… تاريخ، دائماً… قبل يوم.
وفي أسفل آخر صورة، جملة واحدة:
"أنت لست كافية". لم أنم.
جلست أمام المرآة… لا لأرى نفسي…
بل لأبحث عن خطأ.
عن كذبة صغيرة تثبت أنني ما زلت أنا.
لكن الحقيقة كانت أهدأ من أن تُكذَّب:
ماذا لو أنني…مجرد محاولة؟
في الصباح…تبعت نفسي.
لم يكن قراراً شجاعاً…
كان استسلاماً، كان قراراً يمشي بثقة…
لا يتردد، لا يلتفت، لا يشك.
كان… كما تمنيت أن أكون،
لكن دون أن أجرّب الألم الذي صنعني.
دخل مكاني…تحدث باسمي…وضحكوا له.
أكثر مما ضحكوا لي يوماً.
هناك…لم ينكسر قلبي…بل انكسر مكاني.
في العالم كله.
تبعته، دخل مبنى قديماً، درج صامت.
باب مفتوح… كأنه ينتظرني، دخلت.
وكان يجب ألا أفعل.
الغرفة… لم تكن ممتلئة، كانت مكتملة… بي.
نسخ مني… أنا جالسة، أنا ممددة، أنا أحدّق في الفراغ.
وجوه… كلها وجهي، لكن بعيونٍ لا تشبهني:
خائفة، فارغة، مستسلمة.
وفي الزاوية… دفتري، فتحته، صفحات بخطي…
لكن ليس بإرادتي.
جمل تتكرر، كأنها اعترافات فاشلة:
"هذه المرة سأكون أفضل".
"هذه المرة لن يلاحظوا الفرق".
"هذه المرة… سأبقى".
حتى الصفحة الأخيرة، نظيفة.
إلا من سطرٍ واحد، طازج…
كأنه كُتب قبل أن أصل بلحظة:
"هذه النسخة… بدأت تفهم".
تجمّدت، لم أكتبها، أعرف ذلك.
لكن الحبر…لم يكن قد جف.
رفعت رأسي، وكان هناك… أنا.
لكن ليست مترددة ليس متعبة
ليست مشروخة من الداخل مثلي.
اقتربت بهدوء لا يُقاوَم… ابتسمت، ابتسامة ثابتة…
لا تحتاج أن تتأكد من نفسها.
ثم مدّت يدها أخذت القلم من أصابعي المرتجفة، ونظرت إليّ…
كما ينظر شخصٌ إلى ذكرى لم تعد تنفع.
شطبت الجملة، بهدوء.
وكتبت:
"هذه النسخة… انتهت".





