كتب - زياد فرحان المجالي
لم تعد الحروب الحديثة تُقاس بعدد الدبابات والطائرات وحدها، ولا باتساع الجبهات أو حجم الجيوش. ففي صيف 2026، تبدو ساحات الصراع من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية وكأنها تدخل مرحلة مختلفة، عنوانها الأبرز: كيف تُرهق خصمك، وتكسب الوقت، وتغيّر ميزان الردع بأقل كلفة ممكنة؟
ومن واشنطن وطهران إلى غزة، وصولًا إلى حقول أوكرانيا، تتكرر الفكرة نفسها بأشكال مختلفة: الحرب لم تعد مواجهة مباشرة فقط، بل سباقًا على الزمن والتكنولوجيا، وعلى القدرة على فرض أمر واقع قبل أن تبدأ المفاوضات أو تنهار.
في المواجهة الأمريكية–الإيرانية، تبدو هذه القاعدة أكثر وضوحًا.
انقضاء المهلة التي ارتبطت بالتفاهمات بين واشنطن وطهران من دون اتفاق نهائي كشف أن الخلاف لم يعد تقنيًا حول الملف النووي فقط، بل أصبح صراعًا أوسع على شكل القوة والنفوذ في الخليج ومضيق هرمز.
إيران، وفق القراءة الاستراتيجية للمشهد، تتصرف وكأنها أمام هدنة مؤقتة لا سلامًا دائمًا. ولهذا استُخدمت فترة التهدئة لإعادة ترتيب القيادة العسكرية، وتعزيز القدرات الصاروخية، وتوسيع التنسيق مع الحلفاء في العراق واليمن.
لكن طهران لا تريد الذهاب سريعًا إلى مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة، بقدر ما تريد رفع كلفة الضغط الأمريكي تدريجيًا، وإجبار واشنطن على دفع ثمن سياسي واقتصادي وعسكري مقابل كل خطوة إضافية.
وهنا تظهر استراتيجية يمكن وصفها بـ*«قطع السلامي»*: أي التصعيد على مراحل صغيرة ومتتابعة، بحيث لا تكون أي خطوة بمفردها كافية لإشعال حرب كبرى، لكن تراكمها يعيد رسم حدود الردع وما يستطيع الخصم تحمّله.
ويبقى مضيق هرمز الورقة الأخطر.
فمن يملك القدرة على تهديد حركة الطاقة العالمية لا يحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق كاملًا؛ أحيانًا يكفي أن يجعل الأسواق تعتقد أن الإغلاق ممكن. عندها تتحول الجغرافيا إلى سلاح، والخوف إلى عنصر في معادلة الردع.
ومن هرمز إلى غزة، يتغير شكل الأدوات لكن تبقى المعركة نفسها: من يفرض شروطه قبل التسوية؟
فالصراع في غزة لم يعد يدور فقط حول وقف إطلاق النار، بل حول من يملك حق تحديد شكل اليوم التالي.
إسرائيل تريد أن يبدأ أي مسار سياسي من نزع السلاح وترتيبات الأمن، وأن تبقى لها حرية الحركة الميدانية والأمنية. وفي المقابل، تتمسك حماس والفصائل الفلسطينية بأن تكون الخطوات متزامنة: وقف الهجمات، انسحاب إسرائيلي، فتح الطريق أمام الإعمار، ثم معالجة الملفات الأمنية والسياسية.
لكن المسألة الأخطر هي الأرض.
فالإبقاء على وجود عسكري إسرائيلي داخل مساحات واسعة من القطاع، أو تثبيت خطوط أمنية لفترة طويلة، قد يحوّل الإجراء المؤقت إلى واقع شبه دائم، ويمنح إسرائيل مكسبًا سياسيًا لم تحسمه عسكريًا بصورة نهائية.
وفي المقابل، تحاول حماس استثمار الوساطات الإقليمية والدولية لمنع تحول الضغط العسكري إلى إقصاء سياسي كامل، والحفاظ على موطئ قدم داخل معادلة ما بعد الحرب.
وهنا يصبح الزمن نفسه سلاحًا.
نتنياهو يراهن على أن إطالة التفاوض تمنحه مساحة أوسع للمناورة أمام اليمين والانتخابات، بينما تراهن حماس على أن استمرار الوساطات والضغوط الدولية يمكن أن يمنع فرض تسوية تُنهي وجودها السياسي والعسكري دفعة واحدة.
وهكذا، كما في هرمز، لا يكون الردع في غزة مجرد صاروخ أو دبابة، بل قدرة كل طرف على إجبار الآخر على الانتظار ودفع الكلفة.
أما التحول الأكثر إثارة، فيأتي من أوكرانيا.
فهناك بدأت تظهر مسيرات صغيرة تغيّر مفهوم الكمين العسكري نفسه.
المسيّرة لم تعد مضطرة إلى التحليق المستمر بحثًا عن هدف، بل يمكنها الوصول إلى طريق أو منطقة خلف خطوط الخصم، والهبوط والانتظار، ثم التحرك عند اقتراب مركبة أو هدف مناسب.
والأخطر أن بعض هذه الأنظمة يمكن أن تعتمد على الاستشعار الصوتي لالتقاط أصوات المحركات والآليات، بينما يمنح التوجيه عبر الألياف الضوئية بعض مسيرات FPV قدرة كبيرة على تجاوز التشويش الإلكتروني التقليدي.
وهنا تتغير قواعد الحرب البرية.
فالخطر لم يعد فقط في السماء، بل قد يكون ساكنًا على الأرض، صامتًا، ينتظر مرور الهدف.
وهذا يعني أن المناطق الخلفية، التي كانت تُعد أكثر أمنًا نسبيًا، قد تتحول إلى جبهات مفتوحة أمام أسلحة رخيصة تستطيع تعطيل أو تدمير معدات تفوق قيمتها أضعافًا مضاعفة.
وإذا كانت إيران تستخدم مضيق هرمز والصواريخ لرفع كلفة خصومها، وإسرائيل تستخدم السيطرة الميدانية لفرض شروطها على غزة، فإن أوكرانيا تكشف الوجه الثالث للمعادلة: تحويل التكنولوجيا الرخيصة إلى أداة ردع واستنزاف استراتيجي.
الخلاصة أن العالم يدخل عصرًا جديدًا من الردع.
إيران تستخدم الجغرافيا والصواريخ وكسب الوقت. إسرائيل تحاول تحويل التفوق العسكري إلى ترتيبات ميدانية طويلة الأمد. وفي أوكرانيا، تعيد المسيرات الرخيصة تعريف معنى الكمين والاستطلاع والدفاع.
وما يجمع هذه الجبهات ليس تشابه الحروب، بل تشابه المنطق الذي يحكمها: إرهاق الخصم، ورفع كلفته، وكسب الزمن، ثم الوصول إلى طاولة السياسة من موقع أفضل.
وفي حروب المستقبل، لن ينتصر دائمًا من يملك السلاح الأغلى أو الجيش الأكبر، بل من يعرف كيف يحوّل الوقت والتكنولوجيا والجغرافيا والخوف إلى قوة لا تقل تأثيرًا عن الصواريخ نفسها.