من هرمز إلى اليورانيوم: حرب الكلفة المفتوحة في الشرق الأوسط #عاجل
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كتب - زياد فرحان المجالي
ليس أدق في توصيف المرحلة من القول إن المنطقة دخلت حربًا تُدار في المستويات الأعمق أكثر مما تُدار في واجهتها العسكرية المباشرة. فالمشهد الظاهر ما يزال مشبعًا بلغة الضربات والتهديدات والتصريحات، لكن ما يتحرك فعلًا تحت هذا السطح هو صراع على مفاتيح الاستمرار: من يضبط المرور؟ من يرفع كلفة الطاقة؟ من يملك القدرة على التعطيل أكثر من الحسم؟ ومن يستطيع أن يرهق خصمه من دون أن يندفع هو نفسه إلى الهاوية؟
من هنا، يصبح الربط بين مضيق هرمز والملف النووي الإيراني ربطًا منطقيًا لا مفتعلًا. فهاتان القضيتان لا تمثلان ملفين منفصلين، بل جبهتين متكاملتين في معركة واحدة. الأولى تتعلق بقدرة إيران على تحويل موقعها الجغرافي إلى أداة نفوذ وضغط تتجاوز حدودها. والثانية تتعلق بعجز خصومها عن تحويل التفوق العسكري وحده إلى نهاية نظيفة وحاسمة لملف معقد ومتشعب ومحاط بطبقات من الحماية والتداعيات.
في ملف هرمز، المسألة ليست فقط في احتمال الإغلاق الكامل، لأن هذا السيناريو، رغم خطورته، ليس وحده ما يصنع الأزمة. الأخطر أحيانًا هو ما دون الإغلاق الكامل: أن يصبح المرور بطيئًا، انتقائيًا، عالي الكلفة، مشحونًا بالقلق القانوني والأمني والتأميني. عندها يتحول المضيق من ممر دولي إلى أداة ضغط يومية. لا يحتاج الأمر إلى صورة دراماتيكية واحدة بقدر ما يحتاج إلى استمرار حالة عدم اليقين. هذه المنطقة الرمادية هي التي تؤلم الاقتصاد العالمي فعلًا، لأنها لا تسمح للأسواق بالتكيّف السريع، ولا تمنح شركات النقل والطاقة والتأمين بيئة مستقرة لاتخاذ القرار.
لهذا السبب، لا تُقرأ أهمية هرمز فقط من زاوية السفن العابرة، بل من زاوية أثره النفسي والاقتصادي على العالم كله. الطاقة لا تتحرك في خطوط مادية فقط، بل كذلك في شبكة من التوقعات والمخاطر والعقود والتسعير المسبق. وكل اضطراب مستمر في هذا الممر ينعكس مباشرة على كلفة الطاقة، وعلى ثقة الأسواق، وعلى حسابات الدول المستوردة، وعلى قدرة الحكومات على امتصاص الصدمات. وهنا بالضبط تكمن قوة الورقة الإيرانية: ليس لأنها تمنح نصرًا سريعًا، بل لأنها قادرة على إطالة أمد القلق.
لكن في الجهة المقابلة، لا يبدو خصوم إيران في موقع مريح أيضًا. فحين ننتقل إلى الملف النووي، يظهر التعقيد من زاوية أخرى. فالكلام السياسي كثير، لكن الواقع العملياتي أكثر خشونة بكثير. التعامل مع مخزون نووي حساس داخل أراضٍ محمية ومترامية ومحمية بطبقات من الدفاع والبنية التحتية ليس مهمة يمكن اختصارها بشعار أو بضربة رمزية. هنا يتبين أن الفارق هائل بين إظهار القوة وبين إنتاج نتيجة نهائية قابلة للحياة بعد استخدام القوة.
هذا هو المأزق الحقيقي: إذا كانت الضربة المحدودة لا تنهي المسألة، فالخيار الأوسع يصبح أكثر كلفة وتعقيدًا. وإذا كان الحسم البري أو المباشر يفتح أبوابًا لا يمكن ضبط نهاياتها، فإن البدائل تميل بطبيعتها إلى منطق التعطيل والاحتواء والتجميد والضغط الاقتصادي. وهذا يعني أن الصراع ينتقل من منطق "إنهاء الملف” إلى منطق "إدارة الخطر”، وهو انتقال بالغ الدلالة. فحين تعجز القوة عن إنتاج نهاية واضحة، تبدأ السياسة في البحث عن حلول ناقصة، ويبدأ الاقتصاد في دفع الفاتورة.
وفي هذا التداخل بين هرمز واليورانيوم تتضح طبيعة المرحلة: إيران تحاول أن تستخدم الجغرافيا والاقتصاد والملاحة كأدوات ردع ورفع كلفة، فيما تحاول الولايات المتحدة أن تضيق على البنية الاستراتيجية الإيرانية من دون التورط في نموذج حرب طويلة مفتوحة على الأرض. وبين الطرفين، تتحول المنطقة إلى مسرح استنزاف مركب، لا يربح فيه أحد بسهولة، ولا يخرج منه أحد بلا خسائر.
هذا يفسر أيضًا لماذا لا تبدو لغة "الحسم” مقنعة كما في المراحل السابقة. فالحروب الحديثة في المنطقة لم تعد تُقاس فقط بمن أصاب أكثر أو دمّر أكثر، بل بمن استطاع أن يفرض على الآخر نمطًا من الإنهاك المستمر. ومن هنا، قد يكون السؤال الأدق ليس: من الأقوى عسكريًا؟ بل: من الأقدر على تحمّل حرب الكلفة الطويلة؟ من يحتمل اهتزاز الأسواق أكثر؟ من يستوعب ضغط الداخل أكثر؟ من يستطيع أن يدير الوقت لمصلحته بدل أن يتحول الوقت نفسه إلى خصم له؟
في هذا النوع من الحروب، يتقدم عامل الزمن على عامل الصدمة. الصدمة تترك أثرًا سريعًا، لكن الزمن يعيد توزيع الأعباء. وإذا كانت إيران تراهن على أن الضغط في هرمز يمنحها ورقة نفوذ تفوق وزنها العسكري المباشر، فإن خصومها يراهنون على أن الضغط التراكمي على اقتصادها وبنيتها الاستراتيجية سيقلص قدرتها على الاستمرار. وبين الرهانين، لا يظهر …
.





