من حرب الى حرب... كفى - جلسة حوارية (فيديو)
إذا كان أحد أبرز أدوار الدول أن تحقّق رفاهية شعبها، وأن تخلق لشعبها مظلّة أمن واستقرار وتقدّم، تسمح له أن يعيش بكرامة وحرّية، وتساعده أن يطمح ويفكّر ويبني ويبقى في أرضه بسلام، فلماذا إذاً لا تتوقف الصراعات والأزمات والحروب والاجتياحات؟
لبنان، منذ ولادة الجمهورية الأولى مروراً بالجمهورية الثانية، لم يعرف شعبه إلا محطّات جزئية من الاستقرار والأمان والبحبوحة، قابلتها جولات قاسية على أرضه، امتلأت بالحروب في أزمنة وأمكنة وصوَر متعدّدة. ومع ذلك، ومنذ أواخر خمسينات القرن الماضي، كان العنف دائماً حاضراً، وغالباً ما ارتبط بأدوات غريبة عن شعب لبنان، حملت عناوين "وحدوية" في "الأفكار والمصير والساحات". لذلك بقي باب لبنان مفتوحاً لحروب لبنانية، ولحروب الآخرين على أرض لبنان.
وأمام هذا الواقع، الذي رفض كثير من اللبنانيين مواجهته، كان هناك دائماً لبنانيون آخرون قرروا أن يناضلوا ويواصلوا الرهان على لبنان، إيماناً بمعنى هذا الوطن، كوطن للإنسان والحرّية، وبأهمية حضوره في شرقنا المعذّب.
عقود طويلة وحروب مستمرة وأسئلة كبرى تُطرح كل يوم: هل السبب هو عقدة التاريخ وهوية المؤسس؟ أم متاريس الحرب التي كبّرت الصراعات الداخلية وعمّقت المتاريس النفسية والخوف بين الناس؟ أم تركيبة مركزية لم تفهم التعددية اللبنانية؟ أم حروب الآخرين ونسف السيادة والانتماءات إلى محاور الخراب والدمار؟ أم أن السبب هو كل ذلك معاً؟
من هنا تنطلق هذه الجلسة الحوارية، التي تضم ثلاثة آراء تبحث في جوهر الأزمة اللبنانية من ثلاث زوايا مترابطة: التاريخ، والنظام السياسي، وإمكان المصالحة الوطنية.
في المقالة الأولى، يفتح الدكتور عماد مراد باب السؤال حول لبنان الذي لم يخرج من منطق الحرب بعد أكثر من نصف قرن على اندلاع حرب 1975، متوقفاً عند العوامل البنيوية التي تجعل البلاد عرضة لتكرار النزاعات، وعند أزمة الذاكرة الوطنية وتعذّر قيام رواية جامعة، قبل أن يذهب إلى سؤال المستقبل: أي لبنان نريد، وماذا نريد أن يُقال عنه بعد مئة عام؟
وفي المقالة الثانية، يتناول فيها الدكتور مارتن عقاد مسألة المصالحة الوطنية المؤجلة، وإمكان بناء سلام حقيقي في مجتمع مثقل بالحروب والذاكرات المتنازعة، سائلاً عمّا إذا كان السلام ممكناً من دون اعتراف متبادل بالمسؤوليات، ومن دون دولة قوية وعادلة تحتضن الجميع.
أما المقالة الثالثة، فيناقش الأستاذ جورج جبور أزمة النظام السياسي اللبناني، وفشل المركزية التقليدية، وإمكانات التغيير البنيوي، وصولاً إلى طرح الفدرالية: هل هي حلّ لأزمة الكيان أم اعتراف بفشل الدولة؟ وهل تنظّم التعدّدية اللبنانية أم تكرّس الانقسام؟
هي ثلاث مقاربات لأسئلة واحدة. ثلاث محاولات لفهم لماذا تعب لبنان، وكيف يمكن أن يبدأ أخيراً بالخروج من دوامة أنهكته وأرهقت شعبه. لأن كل مجتمعنا الذي تعب، وكثيراً، يقول اليوم: من حرب إلى حرب... كفى.

لبنان بعد 51 عاماً على الحرب الأهلية: لماذا يتكرر الانقسام وهل الحل في نظام سياسي جديد؟
الدكتور عماد مراد
⭕بعد 51 سنة على بداية الحرب الأهليّة في 13 نيسان 1975، وبعد اندحار الاحتلال السوري سنة 2005، وبعد تراجع الهيمنة الإيرانيّة على البلاد نتيجة مغامرتَي حرب إسناد غزة سنة 2023 وحرب إسناد إيران عام 2026، تخيّم على لبنان أجواء حرب داخليّة أو أهليّة تُكرّر ما شهده البلد سنة 1975.
⭕كما يخيّم عليه احتقان طائفي عميق، ما يدفعنا إلى التساؤل: هل كُتب علينا أن نعيش دائمًا في حرب داخليّة بين مكوّنات هذا البلد؟ وهل تجعل البنية السياسيّة والاجتماعيّة للبنان منه بلدًا في حالة انقسام عمودي دائم؟
⭕منذ وضع برامج التعليم في الجمهوريّة اللبنانيّة سنة 1926، لم تُعطِ الدولة اللبنانيّة أهميّة كافية لمواد التاريخ والتربية الوطنيّة، ولم تُعِدّ أساتذة يتمتّعون بانتماء وطني يهدف إلى ترسيخ مفهوم الوطن والمواطنيّة. وقد جعلنا ذلك نتأثّر بالأزمات الإقليميّة وننجرّ إلى ولاءات خارجيّة عند أوّل منعطف، كما حصل في زمن الناصريّة سنة 1958، وزمن سطوة السلاح الفلسطيني على الدولة اللبنانيّة في ستينيّات وسبعينيّات القرن الماضي.
⭕وبعد انتهاء الحرب الأهليّة سنة 1990، كرّرنا الخطأ نفسه، لكن هذه المرّة عن سابق تصوّر وتصميم من قبل السلطة السوريّة الحاكمة، بهدف منع بناء مواطن يدرك معنى المواطنيّة والانتماء، فيطالب بالاستقلال. كما تُرك حزبٌ مسلّح لا ينتمي إلى لبنان، ولا تربطه به أي علاقة تاريخيّة أو كيانيّة أو دستوريّة، بهدف إبقاء البلاد على حافة حرب عند اقتضاء الحاجة، وهو ما نراه اليوم فعليًّا من تهديد بحرب أهليّة، ومن احتمال انتقام داخلي بعد الحرب مع إسرائيل.
الذاكرة المنقسمة
⭕أمّا في ما يتعلّق بكتابة تاريخ موحّد، فقد حاولت السلطة مرارًا بعد الحرب الأهليّة إصدار كتاب موحّد لتاريخ لبنان، وعقدت لجانًا متخصّصة من مختلف المكوّنات اللبنانيّة اجتماعات مكثّفة بهدف وضع مناهج جديدة، على غرار المواد المدرسيّة الأخرى.
⭕إلا أنّ عوائق عديدة حالت دون صدور هذا الكتاب، أبرزها التدخّل السياسي من قبل سلطات الاحتلال السوري في عمل اللجان، والاختلاف على مواضيع مصيريّة ومفصليّة في التاريخ اللبناني، إضافة إلى الانقسام العمودي في الانتماء الوطني.
⭕أمّا من الناحية العلميّة، فيجب أن يكون لدينا كتاب موحّد يطرح نظريّات خلافيّة متعدّدة في التاريخ، وعلى المدرّس، الذي خضع لدورات تعليميّة وطنيّة، أن يكون قادرًا على تفسير هذه النظريّات من دون تعصّب أو تطرّف، بما يقرّب اللبنانيين من بعضهم ويثبّت انتماءهم، فيتعلّمون من أخطاء الماضي لبناء المستقبل. وانطلاقًا من ذلك، فإنّ من يكتب التاريخ هو المؤرّخ والباحث والعالم، لا من يخضع للأهواء أو للمال السياسي.
لبنان الغد
⭕بالنسبة إلى التمنّيات المستقبليّة المرتبطة بالثقافة التاريخيّة، فإنّ التاريخ المعاصر للبنان، بما شهده من نكسات سياسيّة وأمنيّة وعسكريّة متعدّدة ومتكرّرة، وما أظهره من انتماءات خارجيّة لبعض المكوّنات الداخليّة، يشكّل درسًا للمستقبل، مستقبل الأفراد والجماعات. كما يؤكّد أنّ النظام السياسي الحالي قد فشل، وأنّ جميع المكوّنات اللبنانيّة بحاجة إلى استقرار سياسي واجتماعي ضمن نظام سياسي جديد، وعقد اجتماعي متطوّر يراعي هواجس الجميع، في إطار دولة اتحاديّة تحافظ على الكيان والحدود والانتماء الوطني.

لماذا فشلت المصالحة الوطنية في لبنان بعد الحرب الأهلية؟ وهل ما زال السلام الحقيقي ممكناً؟
الدكتور مارتن عقّاد
⭕لم تتحقّق مصالحة وطنيّة حقيقيّة بعد الحرب اللبنانيّة لأسباب عدّة، منها بقاء لبنان مرهونًا للخارج، خاصة في ظل هيمنة النظام السوري السابق على قرارات الدولة ومسار مؤسساتها. أضف إلى ذلك غياب العدالة والمحاسبة بعد "طيّ صفحة الحرب" بقانون العفو العام، الذي أطلقه مجلس النواب اللبناني لمصلحة عدد كبير من أعضائه عام ١٩٩١.
⭕فعليًّا، مسحت الطبقة السياسيّة، التي نشأت غداة الحرب من ميدان المتاريس، ذنوبها على حساب ضحايا الحرب وأهاليهم. على عكس ذلك، اتّخذت جنوب افريقيا عند خروجها من حالة الفصل العنصري (Apartheid) مسار الاعتراف والغفران والمصالحة عبر "لجان الحقيقة والمصالحة" خلال تسعينيّات القرن الماضي وبدايات الألفيّة الثالثة.
⭕إنّ اتّخاذ مسار جنوب أفريقيا القضائي في لبنان، والجنائي أحيانًا، لم يكن متاحًا في لبنان بسبب العفو العام، ولم يعد مفيدًا في ظل مرور ٣٦ سنة على انتهاء الحرب و٥١ سنة على انطلاقها. ولكن ما لم يزل متاحًا لنا هو مسار إحياء وشفاء الذاكرة عبر منهجيّة تاريخيّة، التي قد تساهم في كشف حقيقة ما جرى والاعتراف المتبادَل بالمسؤوليّات. بدلاً من ذلك، بقيَت الذاكرة مجروحة ومجزَّأة بين سرديّات متناقضة احتفظ بها كل طرف، فغابت الرواية الوطنيّة المتعدّدة السرديّات والتي وحدها تستطيع أن تجمع بين اللبنانيّين.
من ذاكرة الانقسام إلى ذاكرة الشفاء: ماذا تعلّمنا من مبادرات الحوار؟
⭕أي مصالحة مجتمعيّة تحتاج إلى شجاعة للاعتراف بالأخطاء، بالانتهاكات، وبمعاناة الآخرين، لا فقط بمعاناة كل جماعة منفردة. فتبقى المصالحة شكليّة وهشّة دون هذا الاعتراف، وتكون قابلة للانهيار عند كل أزمة. المصالحة الطويلة الأمد تتطلّب إرادة سياسيّة ومجتمعيّة والسعي إلى الحقيقة، فتنشأ ثقافة مساءلة تحمي المستقبل وترفض النسيان.
⭕مبادراتنا الحواريّة برهنت أنّ الشعب اللبناني قادر على اللقاء عندما تتوفَّر له مساحة آمنة. يستمع كل طرف إلى آلام الآخَر دون إنكار أو تبرير. ما تعلّمناه أنّ المصالحة تُبنى تدريجيًّا من القاعدة ولا تُفرَض من فوق. مبادرتنا، التي أسمَيْناها "الحقيقة والمصالحة – لبنان،" تبدأ بالاعتراف بتعدُّد السرديات، بدل محاولة توحيدها بإقصاء بعض السرديّات الجماعيّة أو بإضعاف جميع السرديّات بجعلها نسبيّة. فتتحوّل الذاكرة الجماعيّة، التي يتم التنقيب عنها عبر السرد والتوثيق والتعلُّم، إلى مساحة شفاء، لا إلى أداة تقسيم.
السلام وسط الحرب
⭕الحديث والمبادرة بأنشطة السلام هو ضرورة حتميّة، خاصّة في الواقع اليومي الغارق في الخوف والذي يعكس الانقسام الكبير بين الفئات المجتمعيّة. لا يبدأ السلام عند انتهاء الحرب، بل في ظلّها يبدأ الناس بالتفكير في كيفيّة العيش معًا رغم الخلاف. المشكلة اليوم في لبنان ليست فقط في غياب الأمن والاستقرار، بل في غياب ثقة الناس بالدولة العادلة.
⭕السلام المستدام يحتاج إلى مؤسّسات دولة قويّة وعادلة، تنعكس في إرادة سياسيّة واستقلاليّة القضاء وهيمنة القوى الأمنيّة لفرض القانون من جهة، وفي إرادة مجتمعيّة للحوار والاعتراف والغفران والمصالحة تحت ظل المؤسّسات والقانون من جهة أخرى. قد لا يكتمل مسار المصالحة في ظل الحرب، لكن علينا زرع بذور السلام عبر مبادرات الحوار الذي يخفّف من التوتّر ويعزّز التضامن ويعيد بناء الثقة بين اللبنانيّين.

هل الفيدرالية هي الحل لأزمات لبنان؟ لماذا يتكرر الفشل السياسي؟
جورج جبور
⭕إذا تعمّقنا عن كثب في الاسباب التي تجعلنا نعيش دومًا في حالة من عدم الاستقرار والحروب والنزاعات، فإننا نكتشف، مع مرور الوقت، اننا نعالج نتائج المشكلة الأساس كل مرة. وبذلك، نعتقد ان الأزمة انتهت، لنعود ونواجه ازمة اخرى، في نتيجة حتمية للمشكلة البنيوية التي نتجنب الخوض بها دائمًا.
نظرة تاريخية
⭕تأسس الكيان اللبناني بإعلان دولة لبنان الكبير في أيلول 1920 على يد الجنرال هنري غورو. وعام 1926، وضع الفرنسيون دستورًا على صورة الدستور الفرنسي، لتنظيم الدولة في شكل مركزي وأحاديّ. إلا أن الشعب اللبناني هو عبارة عن مجموعة مكوّنات متناقضة مع بعضها البعض، وغير قادرة على الاتفاق أبدًا على مفهوم الوطن الواحد.
⭕من هنا، بدأت رحلة الأزمات، وبدأ يحاول كل مكّون ان يسيطر على النظام المركزي الأحادي ليكون القرار بيده، وليفرض سرديّته على المجموعات الأخرى. هذا ما فعله المسيحيون بين العامين 1943 و1975، وهو العام الذي شهد اندلاع الحرب الأهلية. ومثلهم فعلوا السنّة منذ اتفاق الطائف عام 1989 وحتى عام 2005، وتبع نحوهم الشيعة منذ عام 2005 لتاريخه. كل هذه المحاولات باءت بالفشل وبقيت الازمة مستمرّة. لذا، آن الأوان لطرح نظام جديد يعالج التعدّدية اللبنانية، شأننا شأن كل الدول التي تحتضن تعدّدية مماثلة، وهو النظام الاتحادي أو الفيدرالي.
هل تُنقذ الدولة أم تعلن فشلها؟
⭕اتضح أن النظام الحالي فشل فشلًا ذريعًا وأدى بنا الى ما نحن عليه اليوم. في المقابل، يأتي النظام الفيدرالي لا ليقسِّم البلد، بل ليقسِّم السلطة. ومن خلاله، تتمتع كل مجموعة بحقّها وحرّيتها في ادارة شؤونها بنفسها، بمعزل عن أي تدخل من المجموعات الاخرى. وهذا يشمل كل ما يتعلّق بالحرّيات الدينية والثقافية والسياسية والتشريعية والمالية والحضارية والتربوية. وكلّنا ندرك ان هذه هي الأمور التي يختلف عليها اللبنانيون. هذا النظام الفيدرالي سيمكِّننا من تحييد لبنان عن فكرة التقسيم، ومن المحافظة على الوحدة الجغرافية، مع احترام كامل للمكونات التاريخية الأربعة، وهي السنة، والشيعة، والدروز، والمسيحيون.
أي نموذج للبنان؟ هل تعالج الفدرالية جذور الصراع أم تدير الانقسام؟
⭕إن النموذج الفدرالي الأقرب الى الوضع اللبناني هو النموذج الطائفي الجغرافي. وباعتماده، تُجمع كل البلديات على كامل الاراضي اللبنانية التابعة لأحد المكونات الأربعة ضمن محافظة واحدة، فتتشكل أربع محافظات، مما يتيح لنا المحافظة على كل المكوّنات، حتى في الجيوب الصغيرة، وبالتالي الإبقاء على الفسيفساء اللبنانية.
⭕إن المحافظة على الأمن تكون مهمّة محلية، مع تمتع كل مجموعة بقواها الأمنية الخاصة. أما الجيش، فيحرس الحدود ويضمن سلامة لبنان وسيادته، كما هي وظيفة الجيش في أي بلد في العالم. أما قرار الحرب والسلم فينضوي ضمن صلاحيات المجلس الرئاسي المكوّن من الرؤساء الأربعة للمجموعات الأربع، على أن يُتخذ قرار الحرب والسلم بالإجماع. وبذلك، نفرض نظام الحياد في الدستور الفيدرالي الجديد، ونتمكن من تجنب خوض حروب الآخرين على أرضنا في المستقبل.





