من هنا تبدأ السردية الأردنية… من الوثيقة إلى الوطن
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
إذا أردنا أن نبدأ السردية الوطنية الأردنية من مكانها الصحيح، فعلينا ألا نبدأها من الشعارات، ولا من الحملات الإعلامية، ولا من لغة المناسبات العابرة. علينا أن نبدأها من الجذور؛ من الوثيقة، ومن الاسم، ومن الأرض، ومن الرجال الذين حملوا معنى المكان قبل أن تتحول الجغرافيا إلى دولة، وقبل أن تصبح الوطنية خطابًا رسميًا أو عنوانًا في كتب المدرسة.
من هنا تبدأ السردية: من وثيقة عثمانية قديمة، ممهورة بتوقيع وختم الصدر الأعظم، تحمل إرادة سلطانية بتكريم ذوات من أهالي إربد وتوابع قضاء عجلون، ومنحهم النياشين بما يليق بمكانتهم. ليست هذه الوثيقة مجرد ورقة في أرشيف، ولا قائمة أسماء عابرة في سجل قديم؛ إنها شاهد على أن هذه الأرض كان لها رجالها، ومكانتها، وحضورها، وبيوتها المعروفة، وقياداتها الاجتماعية التي مثّلت الناس، وحفظت توازن المجتمع، وأدّت دورًا في إدارة الشأن المحلي قبل قيام الدولة الحديثة.
حين ترد أسماء مثل سالم پاشا الهنداوي، ومحمود الحمود، وسالم الإبراهيم الخصاونة، وسليمان الأحمد الخصاونة، وسعد العلي البطاينة، وعبد العزيز كايد العتوم، ومصطفى حجازي، وكليب الشريدة، وقويدر السليمان العبيدات، فنحن لا نقرأ أسماء فقط، بل نقرأ خريطة اجتماعية مبكرة في شمال الأردن. نقرأ إربد وعجلون والقرى والسهول والعشائر والبيوتات التي صنعت حضورًا أردنيًا سابقًا على الكيان السياسي الحديث بصورته المعروفة.
لكن الوثيقة الشمالية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لكتابة الرواية. فالأردن أوسع من شاهد واحد، وأعمق من منطقة واحدة. وكما كان لإربد وعجلون رجالهما وذواتهما وبيوتهما المعترف بها، كان للجنوب الأردني حضوره السياسي والاجتماعي المبكر أيضًا. وفي مجلس المبعوثان العثماني حضرت الكرك ورجالاتها، وبرز اسم توفيق بك المجالي بوصفه واحدًا من الوجوه التي حملت صوت تلك الجغرافيا الأردنية الواسعة إلى مركز القرار في إسطنبول. وهنا يصبح الاسم أكبر من عائلة، وأوسع من مدينة؛ يصبح شاهدًا على أن الجنوب الأردني لم يكن خارج التاريخ، بل كان حاضرًا في السياسة والتمثيل، وفي التعبير عن مصالح الناس وكرامتهم وموقعهم.
ومن الكرك تمتد الرواية إلى الطفيلة ومعان والشوبك والبادية الجنوبية، وإلى بيوتات ورجالات حملوا معنى الزعامة والخدمة والصلح والحماية والتمثيل في أزمنة صعبة. المجالي، والطراونة، ورجالات معان والطفيلة والشوبك والبادية، لم يكونوا هامشًا في تاريخ الأردن، بل جزءًا من عموده الفقري. ومن الخطأ أن تُكتب السردية الوطنية كأنها تبدأ من مدينة واحدة أو تنتهي عند عشيرة واحدة. الأردن لم تصنعه جهة منفردة؛ صنعته شبكة واسعة من الرجال والبيوت والعشائر والمدن والقرى، من إربد وعجلون شمالًا، إلى الكرك والطفيلة ومعان جنوبًا، ومن السلط والبلقاء إلى البادية، ومن كل أرض أعطت للوطن رجالها وذاكرتها وعرقها وصبرها.
هذه الأسماء لا تُستدعى للتفاخر العائلي الضيق، ولا لاستحضار الماضي من أجل مفاخرة فارغة، بل لأنها تقول لنا شيئًا أعمق: إن الأردن لم يظهر من فراغ. هذا الوطن له جذور ضاربة في الأرض، وله مجتمع كان حاضرًا في الإدارة، والوجاهة، والتمثيل، وحفظ النظام الأهلي، وبناء المعنى الاجتماعي للقيادة. وقبل أن تكون هناك دولة بمؤسساتها الحديثة، كان هناك مجتمع يعرف رجاله، ويحفظ مقامهم، ويميّز بين من يخدم الناس ومن يبحث عن المجد الشخصي.
ثم جاءت الدولة الأردنية الحديثة، بقيادتها الهاشمية ومؤسساتها وجيشها العربي، لتجمع هذا التراكم في إطار سياسي واحد، وتحوله من حضور محلي متفرق إلى وطن جامع. لم تأتِ الدولة لتلغي الجذور، بل لتمنحها معنى وطنيًا أوسع. ولم تأتِ لتختصر الأردنيين في رواية واحدة مغلقة، بل لتصوغ من تعددهم مجتمعًا واحدًا، وراية واحدة، ومصيرًا مشتركًا.
من هنا نعزز الوطن: لا بأن نمحو ذاكرته، ولا بأن نصنع له ذاكرة مصطنعة، بل بأن نعيد وصل الجيل الجديد بجذوره. أن يعرف الشاب الأردني أن اسم قريته ليس هامشًا، وأن عشيرته ليست خارج الدولة، وأن مدينته لم تكن يومًا بلا قيمة، وأن الوطن لم يبدأ فقط من العاصمة، بل من كل بيت حمل المسؤولية، ومن كل وجيه أصلح بين الناس، ومن كل رجل حفظ كرامة مجتمعه، ومن كل منطقة أعطت للدولة معناها البشري العميق.
لكن الاعتراف بالجذور لا يكتمل إذا بقي في حدود الذاكرة والوثائق. فما قيمة السردية الوطنية إن كانت البيوت التي صنعت المكان تشعر اليوم أن أبناءها على الهامش؟ وما معنى أن نتحدث عن رجال حفظوا التوازن الاجتماعي وخدموا الناس، إذا كان كثير من أحفاد هذه البيوت والعشائر والقرى يعيشون اليوم ضيق الحال، وتراجع الفرص، وانكماش مصادر الدخل، ويبحثون عن عمل يحفظ كرامتهم؟ السردية الوطنية لا تكون صادقة إذا اكتفت بتمجيد الماضي، ثم تركت أبناء هذا الماضي يواجهون الحاضر وحدهم.
الوطن لا يُبنى بالتجميل، بل بالإنصاف. والسردية لا تُكتب ضد أحد، بل تُكتب للجميع. حين نستعيد أسماء إربد وعجلون والكرك ومعان والطفيلة والسلط والبادية، فإننا لا نعزل منطقة عن أخرى، بل نعيد كل الأردن إلى مكانه الطبيعي في الرواية الوطنية. السردية الأردنية العادلة هي التي تقول لكل أردني: أنت جزء من الحكاية، وذاكرتك ليست هامشًا في كتاب الوطن.
نحن بحاجة إلى سردية تهز وجدان الأردني، لا لأنها تصرخ، بل لأنها تصدق. سردية تقول إن هذا الوطن لم يصنعه الفراغ، ولم تحمله المصادفة، ولم تبنه الدعاية. بناه رجال ونساء، وبيوت وعشائر، وجيش ومؤسسات، وقيادة ومجتمع، وتضحيات صامتة لا تبحث عن الأضواء.
من هنا نبدأ. من الوثيقة إلى الوطن. من الشمال إلى الجنوب. من الاسم إلى الدولة. من الذاكرة إلى العدالة. فالأردن لا يحتاج إلى سردية تُخترع له، بل إلى ذاكرة تُنصفه. ولا يحتاج إلى من يزخرف تاريخه، بل إلى من يقرأه بصدق. لأن الوطن الذي يعرف جذوره لا يخاف على مستقبله، والشعب الذي يحفظ أسماء رجاله يعرف كيف يحمي دولته، وكيف يصون كرامته، وكيف يقول بثقة: نحن لم نأتِ من فراغ… نحن أبناء أرض لها ذاكرة، ورجال، ودولة تستحق أن تُروى حكايتها كما هي، لا كما يريدها العابرون.





