... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
104876 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8375 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

من حليف إلى تهديد: كيف أصبحت تركيا في مرمى القلق الإسرائيلي؟

العالم
النهار العربي
2026/04/05 - 04:10 501 مشاهدة

إيمان درنيقة الكمالي*

في ردهات فندق "ماميلا" بالقدس المحتلة (شباط/فبراير 2026)، أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت تحذيراً مدوّياً حين أعلن صراحة: "تركيا هي إيران الجديدة"؛ تصريحٌ جاء متناغماً مع "أوركسترا" من التحذيرات البحثية الغربية، حيث تساءل الباحث الاستراتيجي مايكل روبن عما إذا كانت أنقرة ستصبح نسخة من طهران، محذراً من استقلال القرار الدفاعي التركي. بينما حرّض الخبير العسكري برادلي مارتن عبر "وول ستريت جورنال"، واشنطن وتل أبيب على ضرورة "احتواء تركيا"، متهماً إياها بالسعي لملء الفراغ الإقليمي الذي قد تتركه إيران.

هنا يبرز التساؤل الجوهري: كيف استطاع حليف الناتو التاريخي أن يتحول في نظر إسرائيل إلى "إيران ثانية"؟ وما الذي يجعل تكنولوجيا أنقرة اليوم مصدر قلق يفوق في أبعاده الملفات الاستراتيجية التقليدية؟

دروس التاريخ: من صدمة الستينيات إلى الانطلاقة الوطنية

إن القلق الغربي والإسرائيلي الراهن لا ينفصل عن الذاكرة التاريخية؛ إذ يدرك هؤلاء أن تركيا هي وريثة الأمجاد السلجوقية والعثمانية. وخلال الحرب الباردة، استغل الغرب موقعها الجيوسياسي كـ"حائط صد" أمام الاتحاد السوفياتي، فأدخلها حلف الناتو وحوّلها إلى سوق استهلاكية ضخمة لأسلحته.

لكن نقطة التحول الكبرى جاءت مع "رسالة الرئيس الأميركي جونسون" في الستينيات، حين هدد أنقرة برفع حماية الناتو عنها إذا تدخلت عسكرياً في قبرص لحماية القبارصة الأتراك من التنكيل، ومنعها من استخدام أي سلاح أميركي. كانت تلك اللحظة هي الصدمة التي أيقظت الوعي التركي على حقيقة أن الاعتماد الكلي على حليف خارجي في التسليح والقرار السياسي هو مخاطرة وجودية، وأنّ "المتغطي بالغرب قطعاً عريان".

ولم تكن الضغوط الأخيرة بشأن طرد تركيا من برنامج طائرات F-35 إلا تكراراً للعقلية الوصائية ذاتها؛ فبسبب إصرار أنقرة على تأمين أجوائها بمنظومة الصواريخ الروسية S-400 بعد رفض الغرب تزويدها ببدائل مكافئة، واجهت تركيا حظراً جديداً. ومن رحم هذه المعاناة وُلدت بذرات الصناعات الدفاعية الوطنية، فتأسست شركات كبرى مثل (Aselsan) و**(TUSAŞ)**، وأنشئ جناح للصناعات الدفاعية في هيئة "توبيتاك" (TÜBİTAK)، كخطوة أولى لكسر قيد الارتهان للخارج.

فلسفة "السلاح الواقعي" والسيادة الرقمية

تستمد تركيا قوتها من جغرافيا فريدة تتحكم بمضايق البوسفور والدردنيل، الرئة الحيوية للأمن العالمي. ومن هذا الموقع، قدمت أنقرة فلسفة "السلاح الواقعي"؛ فمسيرة "بيرقدار" لم تنجح لأنها الأغلى، بل لأنها "ابنة الميدان" (Battle-proven)، التي صُممت لتناسب تضاريس المنطقة المعقدة ووعورتها الجغرافية، محققة كفاءة تدميرية عجزت عنها أعتى المنظومات العالمية.

وقد أدرك الأتراك أن السيادة الحقيقية تبدأ من امتلاك "شفرة المصدر" (Source Code)؛ فبينما يمكن للغرب تعطيل أسلحة حلفائه بـ"كبسة زر" خارجية، انتزعت أنقرة استقلالها الرقمي. واليوم، تتجاوز أنقرة العقبات التقنية عبر محركات مقاتلة الجيل الخامس "قآن" (KAAN)، ومنظومة "القبة الفولاذية" التركية (Çelik Kubbe)، في سعي حثيث لمواجهة "القبة الحديدية" الإسرائيلية، وكسر قاعدة "التفوق النوعي المضمون" لإسرائيل في المنطقة.

وهذا ما يفضي بنا إلى استنتاج استراتيجي حتمي: هل بات من المستحيل على الدول تحقيق استقلال سياسي حقيقي في عالم اليوم، من دون امتلاك هذه "الشفرة السيادية" لأنظمتها الدفاعية؟

عقيدة الردع والتطويق الاستراتيجي

إنّ هذا التفوق يضع تركيا اليوم في حالة "تمرد سيادي"؛ فامتلاك الصناعات الدفاعية المستقلة بات يوازي في أبعاده الاستراتيجية "البرامج النووية" للدول الكبرى. وفي ظل نظام عالمي يوصف بـ"الغابة الدولية"، تلاشت فيه هيبة القانون الدولي أمام منطق القوة، تدرك أنقرة أن الدفاع الجوي وحده لم يعد كافياً، بل إنّ "قوة الردع الهجومية" هي الضمانة الوحيدة لمنع الاعتداء. إنّ امتلاك تقنيات الجيل الخامس والمسيّرات الذكية هو "رسالة سلام" تركية خشنة؛ مفادها أن تكلفة المساس بمصالح أنقرة ستكون باهظة جداً، وأنها باتت "نداً" يمتلك القدرة على قول "لا" في وجه النظام العالمي المتغير.

ولعلّ ما يثير ذعر دوائر القرار في تل أبيب، كما عبّر عنه نفتالي بينيت ومايكل روبن، ليس مجرد نمو القدرة العسكرية التركيّة، بل اقتران هذه القدرة بـ"نية استراتيجية" لمنازعة إسرائيل على نفوذها البحري وخطوط الغاز الحيوية في المتوسط. هذا التحول يُنظر إليه كـ"تطويق استراتيجي"يتجاوز الجغرافيا العسكرية التقليدية ليتغلغل في العمق الحساس الذي تعتبره إسرائيل منطقتها المحرمة؛ بدءاً من الدعم الصلب للقضية الفلسطينية، وصولاً إلى الحضور الثقافي والسياسي الفاعل في القدس المحتلة، وهو ما يجعل من القوة التركية اليوم "المظلة التقنية" التي تحمي المواقف المبدئية لأنقرة في المحافل الدولية.

السلاح كـ"طاولة مفاوضات"سيادية

في الختام، لم يعد بزوغ نجم القوة العسكرية التركية مجرد طفرة في التصنيع، بل هو "فعل تمرد استراتيجي" على نظام استخدم السلاح لعقود كأداة للوصاية والابتزاز. لقد سمحت الصناعات الدفاعية لتركيا بالانتقال من "حليف وظيفي" إلى "قطب تقني" يعيد صياغة مفهوم الأمن القومي؛ حيث لا تُقاس القوة بعدد الدبابات، بل بامتلاك "حق الرفض" والتحرر من "الأقفال الرقمية" للقوى الكبرى.

لقد أصبحت هذه الصناعات هي "طاولة المفاوضات" الحقيقية التي تمنح أنقرة "حق الفيتو" الجيوسياسي من شرق المتوسط إلى القوقاز.

إن التجربة التركية تثبت أن امتلاك 'المخالب التقنية' الوطنية بات اليوم ضرورة حتميّة لضمان البقاء في عالم متحلل من القوانين، ولفرض الوجود كشريك أصيل... لا كتابع مأمور.

 

*أستاذة جامعيّة - باحثة سياسيّة

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤