تابع المقالة من حدود الجولان إلى إدلب.. لماذا اتسعت المطالب الأمنية الإسرائيلية في سوريا؟ على الحل نت.
بعد نحو سبعة أشهر على آخر جولة تفاوضية معلنة، عادت سوريا وإسرائيل إلى طاولة المحادثات الأمنية، لكن الجولة الجديدة جاءت بعد أيام فقط من قصف إسرائيل لقاعدة أبو الظهور في ريف إدلب، في ضربة قالت إنها استهدفت منع تمركز عسكري تركي محتمل داخل سوريا.
بالرغم من أن قاعدة أبو الظهور تقع على بعد نحو 300 كيلومتر جواً من خط الفصل مع إسرائيل في الجولان، إلا أن إسرائيل اعتبرت الوجود العسكري التركي المحتمل فيها تهديداً لأمنها وقصفت القاعدة، وهذا ما يعكس اتساع المطالب الأمنية الإسرائيلية إلى مناطق تتجاوز الجنوب السوري نفسه، وما يحول سوريا إلى ساحة صراع إسرائيلي تركي.
العودة للمفاوضات
ويقول الخبير في الشؤون الاستراتيجية عامر السبايلة، في حديث خاص لـ”الحل نت“، إن فرص نجاح الاتفاق ما تزال قليلة بسبب حجم الخلافات بين الطرفين، ولا سيما أن إسرائيل تتعامل مع الواقع السوري من منظور يقوم على فرض ترتيبات أمنية تعكس ما تريده على الأرض.

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني كشف لوكالة “رويترز” عقب الضربة، أن المفاوضات الأمنية مع إسرائيل كانت قد قطعت شوطا أبعد مما ظهر علنا، وقال إن الطرفين توصلا في مطلع 2026 إلى تفاهم “على الورق على كل شيء تقريباً”.
وبحسب ما كشفه، تضمنت المسودة مناطق أمنية داخل الجنوب السوري، بينها منطقة عازلة لا توجد فيها سوى قوات الأمم المتحدة، ومناطق أخرى يسمح فيها بانتشار القوات السورية بدرجات متفاوتة، مقابل وقف الهجمات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل بعد سقوط نظام بشار الأسد.
لكن الوصول إلى تفاهمات شبه مكتملة لم يكن كافيا لنقلها إلى التنفيذ، وعادت الخلافات إلى الواجهة بعد استهداف إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية في 18 آب/أغسطس الجاري، قبل أن تستأنف الاتصالات لاحقا عبر اجتماع استضافه الأردن بوساطة أميركية.
ويرى السبايلة أنه من الصعب تصور اكتفاء إسرائيل باتفاق سياسي أو أمني من دون خطوات ميدانية تمنحها الضمانات التي تريدها، وهو ما سيبقي نقطة خلاف دائمة مع دمشق، ذلك ضمن ما يصفه بـ”العقلية الأمنية الإسرائيلية ما بعد السابع من أكتوبر”.
ورغم ذلك، يرى السبايلة أن استمرار قناة التواصل بين الطرفين يحمل أهمية بحد ذاته، لأنها قد تساعد على احتواء التصعيد والحد من الخطوات الأحادية الكبيرة، وخصوصا من الجانب الإسرائيلي.
ما شروط إسرائيل؟
استهداف قاعدة أبو الظهور العسكرية في ريف إدلب في 18 آب/أغسطس لم يكن مرتبطاً مباشرة بالجنوب السوري، لكنه كشف أن الحسابات الإسرائيلية تجاه سوريا لم تعد محصورة بالمنطقة الحدودية.
ويرى السبايلة أن إسرائيل تتجه إلى “رفض تام لأي وجود تركي” يتجاوز العلاقات التقليدية بين دمشق وأنقرة، ولا سيما في المجالات العسكرية والاستخبارية. ويقول إن مثل هذا الوجود سيبقى، وفق الرؤية الإسرائيلية، “سببا للتصعيد”.
فبحسب ما نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست”، استندت إسرائيل في تنفيذ الضربة إلى معلومات تحدثت عن نية تركيا نشر رادار ومنظومة دفاع جوي في القاعدة، إلى جانب قوات تركية لتشغيلها.
وأضافت الصحيفة أن الغارات استهدفت مدرج القاعدة لمنع وصول تلك القوات، بعدما قالت إسرائيل إن تحذيراتها لدمشق لم تؤد إلى تغيير الخطة.
من جهتها رفضت أنقرة الرواية الإسرائيلية بشأن أبو الظهور، وقالت إن لا قوات تركية في القاعدة ولا خطة لنشرها فيها، معتبرة أن تل أبيب تستخدم هذه الادعاءات لتبرير ضربات تنتهك السيادة السورية.
وأكدت أن تعاونها العسكري مع دمشق يقتصر على التدريب وتبادل الخبرات ودعم بناء قدرات الجيش السوري.
بينما قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إن دمشق كانت على وشك الإخلال بما وصفه بـ”الوضع الأمني القائم” عبر السماح بانتشار تركي في القاعدة.
لكن المطالب التي تداولها الإعلام الإسرائيلي بعد اجتماع 23 آب/أغسطس تشير إلى سقف أوسع.
ونقلت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” عن “القناة 12” العبرية أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تضع ضمن خطوطها الحمراء منع النشاط العسكري التركي في سوريا، والإبقاء على الجانب السوري من الجولان منزوع السلاح، ومنع الجيش السوري من امتلاك منظومات سلاح استراتيجية.
ماذا تريد دمشق؟
في مقابل الشروط التي تتحدث عنها إسرائيل، حاولت دمشق في الاجتماع الأخير تثبيت سقف تفاوضي مختلف، فبحسب ما أكدته وكالة الأنباء السورية “سانا”، أبلغ الوفد السوري الجانب الإسرائيلي خلال اجتماع 23 آب/أغسطس، الذي استضافه الأردن بوساطة أميركية، أن سوريا تتمسك بحقها في إعادة بناء جيشها وتطوير قدراته واختيار تحالفاتها وشراكاتها، وترفض أي ترتيبات أمنية تقيد هذه الحقوق”.
هذا الموقف يضع العلاقة العسكرية مع تركيا في قلب الخلاف، فالشيباني قال لـ”رويترز” إن دمشق تستفيد من الدعم التركي في التدريب والتعاون العسكري، إلى جانب تعاونها مع دول أخرى مثل الأردن والسعودية، مؤكداً أن سوريا لن تتخلى عن الدعم الذي يساعدها في إعادة بناء جيشها، في الوقت نفسه، قال إن دمشق أبلغت إسرائيل قبل قصف أبو الظهور أن القاعدة لن تتحول إلى قاعدة تركية.
وبذلك تحاول دمشق الفصل بين التعاون العسكري مع تركيا معتبرة إيها جزءاً من حقها في بناء مؤسساتها الدفاعية، وبين إنشاء قاعدة تركية دائمة تقول إنها لم تكن مطروحة في أبو الظهور.
وفي ملف الجنوب، تتمسك الحكومة السورية بمطالب أخرى، أبرزها “انسحاب إسرائيل إلى المواقع التي كانت عليها قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 بشكل كامل”.
الأردن في المفاوضات
الاجتماع الأخير الذي جرى بين الجانبين السوري والإسرائيلي، استضافته الأردن، وبحسب ما أكدته وكالة سانا، ناقش الاجتماع، الذي عقد بوساطة أميركية، وقف الهجمات والاعتقالات والاستهدافات الإسرائيلية، وإعادة تحريك مسار الاتفاق الأمني، إلى جانب محاولة منع انتقال التوتر بين إسرائيل وتركيا إلى الأراضي السورية.
ويرى السبايلة، أن الأولوية الأردنية في المرحلة الحالية هي منع تحول الجنوب إلى منطقة صراع أو فراغ أمني.
ويقول السبايلة إن ما يهم عمان هو “ألا يحدث تصعيد في مناطق الجنوب السوري، وألا تتحول إلى مناطق صراع، وألا تسقط في فخ اللاسلطة”، لأن مثل هذا السيناريو قد يعيد، برأيه، الظروف التي تسمح بظهور التنظيمات المسلحة من جديد. لذلك يعتبر أن “أي تسوية بالنسبة للأردن هي جيدة” إذا ساعدت على تثبيت الاستقرار ومنعت الانزلاق إلى حالة أمنية مفتوحة.
ولا تقتصر المخاوف الأردنية على احتمال المواجهة بين دمشق وإسرائيل، فالجنوب السوري شهد خلال السنوات الماضية نشاط شبكات تهريب وانتشار مجموعات مسلحة وتبدلات متكررة في موازين السيطرة، فيما يضيف التوتر الإسرائيلي التركي عاملاً جديداً إلى بيئة أمنية معقدة أصلاً.
ومن هنا يمكن فهم الدور الأردني باعتباره مرتبطاً بمصلحة أمنية مباشرة قبل أن يكون دور وساطة سياسية؛ فاستقرار درعا والسويداء والمناطق المحاذية للحدود يقلل بالنسبة لعمان مخاطر الفراغ الأمني، ويحد من احتمال تحول الجنوب إلى ساحة تنافس أو مواجهة بين قوى إقليمية.
تبعات اتفاق مكة في الساحة السورية
وقبل ضربة مطار أبو الظهور بأيام، ناقش رئيس الموساد رومان غوفمان مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني المخاوف الإسرائيلية من الانتشار العسكري التركي ومبيعات السلاح والطائرات المسيرة للجيش السوري، بحسب ما نقلته “رويترز” عن مصادر مطلعة.
وبعد القصف، بدأت واشنطن العمل على آلية لمنع الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا وسوريا، خشية أن يؤدي سوء التقدير إلى مواجهة مباشرة بين الأطراف الثلاثة.
إلا أن اتفاق مكة (تركيا، باكستان، السعودية) للدفاع المشترك يضيف بعداً آخر لهذه الحسابات، فالاتفاق الذي وقع في 7 آب/أغسطس ينص على اعتبار الاعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداء عليها جميعا، لكنه لا يتضمن، وفق المعلومات المعلنة حتى الآن، التزامات عسكرية تفصيلية تحدد طبيعة الرد أو آلية تطبيقه.
ويرى السبايلة أن المشكلة قد تتفاقم إذا ترافق الاتفاق مع توسع أكبر للنفوذ التركي داخل سوريا. ويقول لـ”الحل نت” إن إسرائيل، بعدما انتهى الوجود الإيراني المؤثر في سوريا، “لن تقبل بوجود تركيا” بالطريقة نفسها، في وقت ترى فيه أنقرة فرصة لملء جزء من الفراغ الذي تركته إيران.
وبحسب السبايلة، فإن زيادة النفوذ التركي عسكريا وسياسيا ستضع دمشق أمام معادلة أكثر تعقيداً، لأن إسرائيل سترفض أي وجود يتجاوز، من وجهة نظرها، حدود العلاقات الطبيعية بين الدول.
- من حدود الجولان إلى إدلب.. لماذا اتسعت المطالب الأمنية الإسرائيلية في سوريا؟
- المؤبد يطوي صفحة أحمد حسون.. مفتي الأسد السابق خلف القضبان
- الزيدي يجدد تأكيده على موعد تسليم سلاح الفصائل
- مظاهرة في دمشق تدعو لـ”اللباس الشرعي”.. هل يحتل التشدد الفضاء العام؟
- العراق ينقل آلاف السجناء الأجانب.. أكثر من 3500 سوري في صدارة الملف
تابع المقالة من حدود الجولان إلى إدلب.. لماذا اتسعت المطالب الأمنية الإسرائيلية في سوريا؟ على الحل نت.




