يتجلى بذلك مسار فني يتأسس على تحويل المادة العادية إلى حامل للمعنى الرمزي، حيث تغدو اللوحة فضاء يكشف قدرة الفن على إعادة تأويل الأشياء التي تحيط بالإنسان داخل تجربته اليومية، ضمن سياق فينومينولوجي، يبتغي إعادة مساءلة ظاهرية الشيء وقابلية تأويله خارج سياقه المألوف. غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي رافقت الحداثة الصناعية أدت إلى ظهور حساسية فنية جديدة تنظر إلى العالم المادي بوصفه مجالا معقدا من العلامات الثقافية، فتغيرت علاقة الفنان بالأشياء التي تحيط به، وبدأت تلك الأشياء تدخل تدريجيا إلى فضاء العمل الفني بوصفها عناصر قادرة على حمل معان رمزية تتجاوز وظيفتها العملية.
يكشف هذا التحول عن إعادة تفكير في مفهوم الشيء داخل فلسفة الفن، إذ لا يقتصر الشيء في هذا السياق على كونه مادة فيزيائية ملموسة قابلة للاستعمال أو التبادل الاقتصادي، وإنما يتحول إلى عنصر داخل شبكة من العلاقات الدلالية التي تتشكل من خلال السياق الثقافي والاجتماعي الذي يظهر فيه.

وقد اهتم عدد من الفلاسفة المعاصرين بتحليل هذا التحول، فطرح آرثر دانتو (Arthur Danto) في كتابه الشهير "تجلي المبتذل" (The Transfiguration of the Commonplace) فكرة أن الفن المعاصر يتيح للأشياء العادية أن تكتسب وضعا إستتيقيا عبر عملية تأويلية تجعلها جزءا من خطاب فني، إذ يلاحظ دانتو أن الفرق بين الشيء العادي والعمل الفني لا يرتبط بالمظهر المادي وحده، لأن الشيء ذاته يمكن أن يوجد في سياقين مختلفين يحمل كل منهما معنى مختلفا، فالصندوق الخشبي الموجود في مستودع صناعي يظل أداة تخزين، بينما يتحول الصندوق نفسه إلى عمل فني عندما يدخل في بنية خطابية داخل فضاء العرض الفني، حيث يتغير موقعه داخل منظومة المعنى، وتصبح رؤيته مرتبطة بالتأمل الجمالي لا بالوظيفة العملية.
ينفتح تحليل دانتو على إشكالية فلسفية أوسع تتعلق بطبيعة الشيء في الثقافة الحديثة، إذ يلاحظ الباحثون أن المجتمعات الصناعية أفرزت وفرة هائلة من الأشياء التي تحيط بالإنسان في حياته اليومية، وقد أدى هذا التضخم المادي إلى تغير العلاقة بين الإنسان والعالم الموضوعي الذي يعيش فيه، فالأشياء لم تعد مجرد أدوات للاستعمال، وإنما تحولت إلى علامات تشير إلى أنماط الحياة وإلى الهويات الاجتماعية وإلى التحولات الاقتصادية التي يعيشها المجتمع.

من هنا يظهر الفن المعاصر بوصفه مجالا نقديا، في جوهره التأسيسي، يعيد التفكير في تلك العلاقة، لأن الفنان يعمل على خلخلة حضور الأشياء داخل الحياة اليومية التي يعيد توظيفها بشكل مغاير ومستفز ذهنيا (ومفاهيميا) داخل فضاء رمزي يسمح بقراءتها من منظور جديد، بما يسمح بذلك الخطاب الذي يجاورها. فالعمل الفني المعاصر لا يحيا فقط في الشيء الذي يجعله ذريعة، وإنما أيضا عبر ذلك الخطاب المصاحب سواء أكان نصا مكتوبا نقيا أو حوارا صحافيا أو خطابا شفهيا، لتتداخل بذلك في عملية صناعة الغرض الفني اللغة بالمادة، وتكتسح الأولى الثانية، فيغدو المادي ما هو إلى مصوغ عيني (بصري) للقول/الخطاب.












