من الشارع إلى الصحافة.. هل تنجح مهمة السلام السوري؟
واحدة من الصدمات الأخيرة التي تلقيتها قبيل مغادرتي مملكة الرعب السورية، ما قاله زميلي:
“إعلامنا الوطني لا يحتمل معارضة، الخيار لك: تبقى أو تغادر”.
كنتُ للتو قد خرجتُ من توقيف الأمن الجوي، وقد سألني المحقق رأياً للخروج من حالة الاستعصاء.

“الناس متعبة، تريد مغادرة الخوف خلف الأبواب المغلقة إلى الفضاء العام، دعوا الناس تقل وتعبّر وتحلم وتسبّ، وإن أخطأت”.
سألني مزيداً من الشرح والتفصيل.. فأشرت إلى الإعلام:
“كل المؤسسات الإعلامية تحت سيطرتكم، ومانشيتاتكم ومسؤوليكم، افتحوا أبواب التغطية الإعلامية للناس، أعطوهم صفحة في جريدة، أو برنامجاً تلفزيونياً، أو حتى مساحة في الإذاعة”.
أبرز مهام الصحافة والصحفي أنهما صمّام الأمان في أي مجتمع، إذ يمتلكان القدرة على تنظيم النقاش بدل الفوضى، ونقل الغضب عشوائياً من الشارع إلى إعلام منضبط بالحوار والحجة والدليل، وإعادة صياغة المطروح على شكل أسئلة وقضايا تستضيف أطرافاً مختلفة، ليتحوّل الانفعال إلى حوار عقلاني.
هنا يصبح الإعلام وسيطاً بين المجتمع ومكوّناته، وإن اختلفت فيما بينها، ومع السلطة، وتتسع هوامش حرية التعبير كأداة لاحتواء الغضب، وعدم السماح بتراكمه أو انفجاره بلا ضوابط.
الأمثلة كثيرة، ليس آخرها احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا ضد السياسات الاقتصادية، حيث كان الانقسام المجتمعي علنياً، ويثير الأسئلة المطروحة ذاتها في الساحة السورية اليوم:
من أنتم؟ من يمثلكم؟ لماذا الآن؟ أين النقابات المهنية والاتحادات العمالية؟ أنتم تأخذون البلاد إلى الهاوية.
الإعلام الفرنسي بادر، على مضض، إذ لم يعتد سابقاً على هذا النوع من “الغوغائية”: غياب التمثيل، عدم الوضوح، مطالب لا تنتهي، انفلات في الشوارع والمدن، حرق وتكسير ممتلكات عامة وخاصة، واعتداءات على رجال الشرطة.
مهمة صعبة، لكنها ممكنة: كيف نتناول الحدث؟ هل نتركه أم نحتويه؟ ما جوانب تغطيته؟
فُتحت النقاشات اليومية في البرامج، وركّز جزء من التغطية على العنف والفوضى، وتم إدماج الغضب في النقاشات، عبر استضافة يومية لمسؤول اقتصادي ومحتج.
لم تتحقق كل المطالب، لكن البلاد نجت، وأُفرغت ساحاتها من الغضب بمساهمة من الإعلام.
سورية تحتاج لذلك، عشية الدعوة إلى اعتصامات مزدحمة – على الأقل “فيسبوكياً” دور ريادي في الإعلام، يقوى على جراحه، ويؤجل انحيازاته، ويوسّع دائرة حضوره، ويعيد تعريف الصحافة الوطنية كحاضنة وميسّرة لكل حوار بين الأطراف كافة.
لا يليق بصحفي الثورة، أن تحكمه مشاعره الذاتية، ويأسره جمهوره المتعب والخائف، التردد بين الضفاف يميناً ويساراً في القضايا الوطنية لا يوصل للسلامة المرجوة، قواعد المهنة والتجارب المشابهة قد تساعدنا.
ربما على الصحفي السوري، المثقل بجراح الأمس، أن يتحوّل لتلميذ في مدرسة السيد المسيح:
“إذا ضُربت على خدك الأيمن، فأدر له الأيسر”.
يتعالى على أوجاعه، وذاكرته الممتلئة بالندوب والآلام، لا يشكك بأحد من مواطنيه، ودوافعه، هذه وظيفة غيرنا. التحدي أن يقف ناقلاً غير منحاز لكل مطلب، وكل هم، وكل مظلمة، حتى لو كانت كاذبة. هذه أقدار الصحافة ونبلها وقيمها كسلطة رابعة.
مهمة غاية في الصعوبة على الصعيد المهني، لكنه ليس وحيداً إن أراد بناء وطن: الطبيب، بقسمه، يعالج جراح عدوه، والدولة تتكفّل بأتعاب محامي خصومها، والسياسي يستمع ويحاول ويتنازل لتحقيق توافقات، رغم وجود ألف شيطان بداخله يقول: “أنا المنتصر عسكرياً أو انتخابياً”.
القاعدة الأساسية في الصحافة المهنية:
الصحفي لا يغطّي ما يؤمن به، بل ما يحدث.
الفصل بين الخبر لنقل الوقائع، والرأي لعرض القناعات التي تمثّل صاحبها، كمؤسسة أو كصحفي.
داخل أي مؤسسة إعلامية مستويان:
الأول يتمثل في التغطية الإخبارية المحايدة للوقائع، حتى لو خالفت رؤانا السياسية،
والثاني يتمثل في الافتتاحيات وزوايا الرأي، التي قد تطغى أحياناً أو تتوازن مع التغطية.
المسألة ليست حرية إعلام فقط، بل استقرار مجتمع، وسلامته وعدم العودة إلى ما سبق.
لا رفاهية في الخيارات. تنقل الغضب والفوضى إلى مساحة الكلام المنضبط، أو يبقى في الشارع حتى ينفجر بلا حدود.
كل فراغ أو تأخر أو تقصير، يسارع الراغبون بملئه بما تهوى أنفسهم أو يخدم أيديولوجيتهم الخاصة وتزيد حالة الاستقطاب من جمهور متلهف ومنتظر. وتعطى الفرصة للقوى المتربصة لإشعال مزيد من وسائل التواصل الاجتماعي والبثوث والمواقع الإلكترونية وتضخيم المطالب وحرفها بما تهوى أنفسهم.





