من المنع إلى تطويع المحتوى: كيف نحمي أطفالنا على مواقع التواصل الاجتماعي؟
منذ فترة طويلة، ترغب جود* (15 عامًا) بمشاركة أصدقائها موهبتها عبر إنستغرام. فهي تكتب كلمات وتغنيها بصوتها الجميل، كما أنها تجيد تصوير الفيديوهات وتجهيزها للنشر. وقد بدأت بذلك مؤخرًا بإشراف من والدتها نجوى، مع حرص شديد على كيفية تعامل ابنتها مع مواقع التواصل الاجتماعي. منذ عمر الثانية عشرة، مرّت جود بعدد من التجارب الرقمية التي ترى الأم أنها غير متوقعة، فيما هي اعتيادية بالنسبة لجود وأقرانها، الجيل الذي تربى في العصر الرقمي.
في أيام العطلة تقضي جود أغلب وقتها بمتابعة «ريلز» الإنستغرام. تُحدق مطوّلًا في الشاشة، وتمرر الفيديوهات بشكل متواصل لساعات طويلة. وبالطريقة نفسها تستعمل خاصية «شورتس» للفيديوهات القصيرة على يوتيوب. تقول نجوى إن وجود ابنتها على مواقع التواصل الاجتماعي يترتب عليه العديد من النتائج؛ فإضافة إلى هدر الوقت والانغماس بالتمرير اللانهائي، يبقى التأثير الأعمق ناجمًا عن تعليقات الآخرين على ما تنشره، وربطها عدد الإعجابات أو مشاهدات «الستوري» بقيمتها الذاتية كمراهقة.
«مرات ممكن تفوت بحالة حزن وبكا لأنه صاحبتها أخدت لايكات وتعليقات أكتر منها». تقلق نجوى من أن رأي الآخرين وتفاعلهم الرقمي هو المعيار الأساسي للقيمة لدى ابنتها، حيث رغبتها بإثارة إعجاب أقرانها المنطلق الوحيد للصور التي تلتقطها وتشاركها، سواء لنفسها أو لتفاصيل يومها.
رغم الأثر الكبير الذي يحمله «اللايك» على المستخدمين إلّا أن أثره قصير الأمد، ولذا تدفعهم الحاجة للشعور بالتقدير إلى التفحص المستمر -والقهري أحيانًا- لعدد المشاهدات والإعجابات التي يحصلون عليها. وقد أفادت دراسة بأن هذا «الوهم» بالشعور بالتقدير يعتبر جانبًا سلبيًا أساسيًا لمواقع التواصل الاجتماعي. وعليه أوصت بضرورة تقليل ميزات زر الإعجاب في هذه المنصات.
وبشكل أوسع، تُحدِث العلاقة مع مواقع التواصل الاجتماعي تحولات جذرية في سلوك المراهقين وإدراكهم، ما يجعلهم أكثر عرضة للإصابة باضطرابات اجتماعية وعاطفية، وبالتالي تزيد قابليّة تعرّضهم لمشكلات نفسية، نتيجة تغيير طريقة معالجة الدماغ لمفهوم المكافأة.
يؤدي الاستعمال المتواصل لهذه المواقع، التي تُعد بطبيعتها مشحونة عاطفيًا، إلى تعزيز احتمالية ظهور الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم لدى الأطفال، إضافة إلى تراجع الأداء الدراسي، كما أكدت دراسة أجريت في عدد من الدول العربية.[1] وهو تأثير يشمل البالغين أيضًا. فعلى سبيل المثال، يوصف التمرير اللانهائي للفيديوهات القصيرة علميًا بالتمرير القهري أو السلبي، ويرتبط بمؤشرات الضيق النفسي وعدم الرضا عن الحياة. لكن تأثيره يكون أكبر على المراهقين بسبب حساسية المرحلة العمرية وميلهم للاستنتاجات العاطفية. كما تشير الدراسة نفسها إلى أن هذه التأثيرات قد تمتد إلى تغيرات جسدية، مثل آلام الرقبة وإجهاد العين واضطرابات الأكل المرتبط بالقلق حول صورة الجسد، الأكثر ظهورًا لدى الإناث.
يستخدم حوالي 77% من الأطفال في الأردن الإنترنت بشكل دوري. ولا تقتصر المخاطر المحتملة على التأثيرات النفسية فقط، بل تشمل احتمالات التعرض للإساءة الجنسية أو التنمر الرقمي. ففي دراسة لجمعية إنقاذ الطفل في الأردن،[2] أفاد 16% من الأطفال بتعرضهم للإساءة عبر الانترنت، في حين أن 4% فقط من أولياء أمورهم كانوا على علم بذلك، ما يشير إلى فجوة كبيرة بين إدراك الأهل لمخاطر الإنترنت والواقع. وكوسيلة للحماية يستعمل نحو 56.5% من الأطفال أجهزة تعود لأحد الوالدين، وهي طريقة قد تساعد في تعزيز رقابة الأهل الرقمية، لكنها في الوقت ذاته لا تحلّ مشكلة التعرض لمحتوى غير مخصص للأطفال أثناء التصفح. وبحسب الدراسة فإن المشكلة الأكثر شيوعًا -من حيث الإبلاغ عنها- هي التنمر الإلكتروني. وهو أمر دعمته دراسة حديثة في الأردن، أشارت إلى أن ما يقارب 72% من الأطفال قد شاركوا بالتنمر الإلكتروني، وحوالي 31% كانوا ضحايا له. تبع هذه المشكلة مشكلة التحرش الجنسي، من ثم مخاطر أمن المعلومات ثم المخاطر المرتبطة بالمحتوى، كالإعلانات أو الفيديوهات المقترحة أو محتوى الألعاب الإلكترونية، وأخيرًا المخاطر الاجتماعية المتمثلة بالانعزال. كما تشير الدراسة إلى عامل اقتصادي واجتماعي هام، وهو أن الأطفال المنتمين لأسر ذات وضع اقتصادي أفضل يكونون أقل عرضة للمخاطر عبر الانترنت، نظرًا لكونهم أكثر استعدادًا للتعامل مع الإساءة نتيجة اعتيادهم على قضاء وقت أطول على الإنترنت، لكن في المقابل، يعني هذا مشاكل إفراط استخدام وإدمانًا رقميًا محتملًا.
تقول لارا المعايطة، الاستشارية النفسية والتربوية، إن إدمان الاستخدام يمكن ملاحظته من خلال عدد من المؤشرات، كالتعلّق الشديد بالشاشة والانفصال عن الواقع، ونوبات غضب قد تصل للإيذاء أوالتكسير عند سحب الأجهزة من الطفل، إضافة إلى ظهور حزن غير مفسر وفقدان المتعة نتيجة الاعتياد على المشاهد السريعة والممتعة قصيرة التأثير. وبحسبها، فإن أكثر ما يثير القلق هو الانكشاف التام للأطفال على عالم مفتوح بالكامل، ما يستدعي من الأسرة تهيئتهم لاستعمال مواقع التواصل الاجتماعي، كما لو كانت تهيئهم للخروج إلى الشارع وحدهم.
تؤكد المعايطة أن بناء علاقة أسرية آمنة قائمة على الحوار المنفتح هو أول دعامة حماية للطفل. كما تقترح عدة إجراءات وقائية، كتحديد وقت يومي ثابت للاستخدام، ووضع قوانين واضحة مكتوبة لكل تطبيق يستعمله الطفل. وتنصح بأن يكون استعمال الهواتف المحمولة والإنترنت في مساحة مفتوحة ومشتركة، وليس في الغرف الخاصة. وتضيف بأن تقليل وقت الشاشة يرتبط بشكل كبير بتوفير بدائل مناسبة، مثل جدولة وقت لممارسة الرياضة أو الهوايات، وذلك لحمايتهم من الخمول الذهني وتشتت التركيز، فيما يعرف بـ«تعفن الدماغ».
الألعاب الإلكترونية في دائرة التأثير
خاضت نجوى تجربة مع ابنتها عندما كانت أصغر سنًا؛ إذ تلقت مكالمة من والدة إحدى صديقاتها تخبرها بقلق بأن الطفلتين تخططان لقتل زميلة لهن بالصف. ورغم أن حديث نجوى مع ابنتها أفضى إلى أن الأمر لم يكن جديًا، إلا أنها عرفت بأن مصدره لعبة إلكترونية لعبتها ابنتها سرًا.
تقول معايطة إن التعرّض المستمر لمحتوى يتضمن عنفًا لفظيًا أو جنسيًا أو بدنيًا، قد يُحدث تشوشًا في القيم لدى الطفل، ويصبح العنف تدريجيًا حالته الطبيعية. وتشير إلى أنها تعاملت مع حالات تطلّبت تعديل سلوكيات كان مصدرها لعبة إلكترونية، كتلك التي تتطلب السرقة أو القتل للتقدم في مراحلها.
تؤكد نجوى بأن ظهور هذه السلوكيات لدى ابنتها تأثّر أيضًا بظروف حياتية أخرى زادت من هشاشتها آنذاك بينها انفصال والديها، ولذلك استعانت بمتخصصة للتأكد من سلامتها النفسية.
حاليًا، تلعب جود لعبة «روبلوكس»، التي يلعبها يوميًا أكثر من 151 مليون شخص حول العالم، بإشراف والدتها ووفق قواعد واضحة، كعدم مشاركة أي معلومات شخصية إذ تدرك نجوى أن غرف الدردشة هذه تضم لاعبين من مختلف أنحاء العالم، أطفالا وبالغين.
كانت هيئة تنظيم قطاع الاتصالات في الأردن قد حظرت غرف الدردشة في لعبة روبلوكس في أيلول الماضي، باعتبارها مساحة محادثة غير آمنة قد تُعرّض الأطفال للاستغلال. وضمن الجهود ذاتها لجعل المساحات الرقمية أكثر أمانًا، بدأ مؤخرًا توجه نحو تقييد استخدام المراهقين والأطفال لمواقع التواصل الاجتماعي. ففي شباط من هذا العام طُرح في مجلس النواب مقترحٌ نيابيٌ يُطالب بتعطيل حسابات المستخدمين دون 16 عامًا، والتعاون مع شركات التكنولوجيا لتوفير أدوات حماية فعّالة. تبعه كتاب رسمي مُوجه إلى رئاسة الوزراء يدعو لإصدار قانون يحظر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لنفس الفئة العمرية.
بعدها بأيام وافقَ مجلس الوزراء على تشكيل لجنة وطنية لحماية الأطفال واليافعين من مخاطر الإنترنت. وأوضحت لارا الخطيب، رئيسة مجلس مفوضي هيئة تنظيم قطاع الاتصالات، عبر مداخلة إعلامية، أن الغاية من اللجنة دراسة كل الخيارات المتاحة لتنظيم استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، لا حظرها بشكل كامل، وينطبق هذا التوجه على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من أشكال المحتوى الرقمي. ومن المرجح أن التطبيق قد يدخل حيز التنفيذ قبل نهاية العام الحالي.
وضمن السياق نفسه يتحدث النائب مؤيد العلاونة، رئيس لجنة الاقتصاد الرقمي والريادة النيابية، عن أن كل هذه الإجراءات هي جزء من توجّه أكبر يهدف لتعزيز الحماية الرقمية. وينصب اهتمام اللجنة الآن على استكمال حجب بعض الألعاب الإلكترونية وحجب المواقع الإباحية. للوصول بعدها لإجراءات تضمن أمن الأطفال على مواقع التواصل الاجتماعي.
يوضّح العلاونة أن اللجنة لا تستعجل قرارها، وتدرس مختلف الخيارات والتي يقع العمر الذي سيشمله القانون ضمنها، آخذة بعين الاعتبار السياق الاجتماعي والمسير اليومي لحياة الأطفال وأهاليهم، حتى تضمن أن يكون المقترح واقعيًا وقابلًا للتطبيق. كما يوضّح العلاونة أن جهات عدّة ستكون شريكة في التنفيذ، وبينها وزارة التربية والتعليم والهيئات المرتبطة بالإعلام والتكنولوجيا.
هذا التوجه لتنظيم استخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعي جزءٌ من حراك عالمي بدأ في أوروبا ويتوسع الآن ليشمل عددًا من الدول في العالم، كانت آخرها تركيا التي حظرت منتصف نيسان الفائت استخدام الأطفال دون 15 عامًا لمواقع التواصل الاجتماعي. وقبلها كانت فرنسا قد أقرّت عام 2024 قانونًا يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون 15 عامًا، ولحقتها في ذلك دول أخرى كالبرتغال والدنمارك وألمانيا وبريطانيا. وتأتي هذه الإجراءات ضمن تحركات أوسع تضمّنها القانون الأوروبي للخدمات الرقمية، الذي هدف لتعزيز الحقوق الرقمية لمواطني الاتحاد الأوروبي، مُدرجًا بنودًا توفر حماية معززة للقاصرين، ويفرض على جميع الخدمات الإلكترونية العاملة في الاتحاد الأوروبي الامتثال له.
العالم في مواجهة كبرى شركات التكنولوجيا
«سانشيز طاغية وخائن لشعب إسبانيا». هذا كان ما كتبه إليون ماسك، مدير منصة إكس ردًا على إعلان رئيس الوزراء الإسباني فرضَ قيود على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للأطفال، واتهامه الشركات بالتسامح مع الجرائم الإلكترونية. ما حول الخطاب من مجرد إجراء احترازي إلى مواجهة لأنظمة تتبع كبرى شركات التكنولوجيا العالمية. وقد بدأت إسبانيا في شباط الماضي بالفعل بالتحقيق في دور منصات التواصل الاجتماعي إكس وميتا وتيك توك في نشر مواد إساءة جنسية للأطفال من جهة، وتصميمها المنصات للتسبب بالإدمان لدى المستخدمين من جهة أخرى.
تواجه هذه الشركات، بشكل مستمر ومتزايد، دعاوى في المحاكم الأوروبية والأمريكية. فمثلًا تواجه منصة تيك توك اتهامًا صادرًا عن هيئة الرقابة في الاتحاد الأوروبي، بسبب التصميم الإدماني للمنصة. الذي يتمثل بخاصية التمرير اللانهائية والتشغيل التلقائي للفيديوهات. إضافة لنظام التوصيات المصمم لاستهداف الاهتمام الشخصي بدقة كبيرة. وفي الولايات المتحدة تواجه هذه المنصات أكثر من 2300 دعوى قضائية ضدها.
وبالفعل، مثل مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لمنصات ميتا، أمام المحكمة بسبب قضية رفعتها امرأة تزعم فيها أن الشركة تُحقق أرباحها من خلال تصميم خوارزمية تستهدف جذب الأطفال صغارًا، للحفاظ عليهم مستخدمين للمنصة بعمر المراهقة والشباب. وقبله بأيام مَثُل المدير التنفيذي لانستغرام أمام المحكمة بحضور عدد من أولياء الأمور الذين يتهمون المنصات بالتسبب بوفاة أبنائهم. تحدثت حينها إحدى الأمهات للصحافة موضحة شعورها بأن الأطفال فئران تجارب، وأن ابنتها المراهقة التي ماتت منتحرة، لا تزيد عن كونها أضرارًا جانبية لثقافة شركات «السيلكون فالي».
لكن رغم كل هذه الدعاوى القضائية، لا يمكن التعويل على استجابة وتعاون من قبل تلك الشركات التي تحقق مليارات الدولارات فقط من تحديقنا المستمرّ في الشاشات. ففي العام 2023 كانت الإيرادات السنوية لشركة ميتا حوالي 132 مليار دولار، أما «تيك توك» فقد حقق 18 مليار دولار. وهذه الإيرادات تأتي من الإعلانات وحدها، حيث وصل الإنفاق العالمي على إعلانات وسائل التواصل الاجتماعي إلى 207 مليار دولار أمريكي في العام 2023 وحده. وتشير الأرقام إلى نقلة هائلة حققتها شركة ميتا في إيراداتها خلال عشرة أعوام ماضية، إذ تضاعفت عشر مرّات في الفترة بين 2015 و 2025. أمّا منصة يوتيوب فبلغت إيراداتها من الإعلانات وحدها عام 2024 حوالي 36 مليار دولار، وهي ذاتها المنصة الأكثر متابعة من قِبل الأطفال في الأردن.
هل المنع واقعي؟
تتمكن المنصات من تقييد وصول فئات عمرية محددة عبر اشتراط التسجيل بالبيانات الحقيقية والتحقق من عمر المستخدم. وليتم ذلك تقنيًا، فإن المنصة تطلب إثبات العمر من خلال تزويدها بوثيقة رسمية مثل الهوية أو جواز السفر أو بطاقة البنك. ورغم هذه الإجراءات، التي ما زالت تُدرس لتحسينها باستمرار، إلا أن تحقيق الأمر لا يبدو بهذه السهولة. حيث يتمكن عدد من المراهقين من الالتفاف على التقييد والتسجيل بمعلومات غير حقيقة.
تتحدث ريما، وهي أم أردنية تعيش في أستراليا، عن تجربتها مع التقييد. فقد تفاءلت عند سماعها، للمرة الأولى، بقانون حظر السوشال ميديا عن الأطفال في أستراليا عام 2024، لكنها انتظرت الاستماع لأي تعليمات أو حتى إغلاق لحساب ابنها المراهق، إلا أن شيئًا لم يحدث. إلّا أنها عرفت أن بعض أولياء الأمور تمكنوا من فرض قيود على أطفالهم بجهود شخصية، تزامنت مع صدور القانون. بينما لم ينجح آخرون في ذلك. ما خلق شعورًا لدى بعض الأطفال والمراهقين بأن هناك تسلية وفعاليات رقمية تفوتهم.
«بعمر المراهقة كتير صعب تعزلي الولد عن صحابه.. رد فعلهم رح يكون سيء ورح يحسوا حالهم مستثنين اجتماعيًا»، تقول ريما.
تؤكد راية شاربين، المتخصصة بمنصات الإعلام الرقمي، أن تقييد الوصول لفئة عمرية محددة يحتاج دراسة دقيقة، لأنه يتطلب تواصلًا رسميًا بين الحكومة والمنصات الرقمية لإلزامها بالتحقق من أعمار المستخدمين، وعبر وسائل مثل إدخال الهوية أو مسح الوجه، وهو ما يثير مخاوف تتعلق بالخصوصية. كما أن التحايل على هذه القيود يمكن بسهولة باستخدام تقنيات مثل VPN أو إنشاء حسابات ببيانات عمرية غير صحيحة، ما يحدّ من فعالية أي إجراءات تعتمد فقط على التحقق التقني.
لكن هل يُختصر المشهد فعلًا في ثنائية المنع أو الإتاحة؟ أم أن هناك بدائل أكثر توازنا وفعالية؟ بين هذين الخيارين تبرز التجربة الصينية بوصفها نموذجًا مختلفًا في إدارة العلاقة بين الأطفال والفضاء الرقمي. ففي إطار تركيزها على أمنها الرقمي، تواصل الصين إصدار لوائح تُنظّم استخدام الأطفال للإنترنت. أبرزها لائحة حماية القُصر التي دخلت حيز التنفيذ مطلع العام 2024، وهدفت إلى إعادة تشكيل البيئة الرقمية بما يدعم النمو البدني والنفسي السليم للأطفال، مع إشراك الأسرة والمدرسة في تحمل المسؤولية. كما عززت هذه الجهود إطلاق «وضع القُصّر» على الأجهزة المحمولة من قبل إدارة الفضاء السيبراني، بحيث يتمكن الوالدان من تفعيله بسهولة، والتحكم بمدة الاستخدام اليومي، وفرض فترات راحة، إضافة إلى توجيه نوعية المحتوى بما يتناسب مع عمر الطفل.
تفرض الصين حجبًا كاملًا على المنصات العالمية الشهيرة، مثل مختلف تطبيقات ميتا وتيك توك ويوتيوب. وتوفر بدائل محلية مصممة بما يتناسب مع سياقها الداخلي. ويُعد تطبيق «دويين»، النظير المحلي لتيك توك أبرز هذه النماذج. ورغم أن التطبيقين يتبعان الشركة الأم نفسها «بايت دانس» إلا أن بينهما اختلافات جوهرية، إذ يخضع «دويين» لتنظيمات أكثر صرامة، تشمل اشتراط التسجيل بالاسم الحقيقي، والتركيز -من حيث المحتوى- على الأخبار المحلية، والمحتوى التعليمي، خلافًا لتيك توك الذي يغلب عليه الطابع الترفيهي. وتُدار خوارزميات «دويين» وفق اعتبارات عمرية وثقافية محددة. وتأخذ بعين الاعتبار اهتمامات المستخدمين، ضمن إطار موجه يُعطي الأولوية للمحتوى المعرفي والتثقيفي. ويضمّ التطبيق أكثر من 700 مليون مستخدم نشط يوميًا داخل الصين، مقارنة بأكثر من مليار مستخدم لتيك توك حول العالم.
ويحظى الأطفال بمنظومة حماية منفصلة داخل «دويين»، إذ بدأت الصين منذ عام 2018 بتطبيق إجراءات حماية مشددة تفرض تسجيل المستخدمين دون 14 عامًا بأسمائهم وبياناتهم الحقيقية، ليُفعل لهم تلقائيا ما يسمى بـ«وضع القُصّر»، الذي لا يمكن تعطيله من طرف المستخدمين، ويحدد وقت الاستخدام بما لا يتجاوز 40 دقيقة يوميًا، ويمنعهم من استخدامه بين الساعة العاشرة مساء والسادسة صباحا. كما يقيّد هذا الوضع المحتوى ليكون تعليميًا، يشمل تجارب علمية ومتاحف فنية ومعلومات تاريخية، مقدمة بأسلوب جذاب يوازن بين الفائدة والترفيه. ولا تتولى الحكومة إنتاج هذا المحتوى وإنما تعمل على تصميم مبادرات لذلك وتتعاون مع صناع المحتوى لتحقيق أهدافها على المنصة.
بنت الصين، التي تنظر للإنترنت باعتباره مجالًا سياديًا واستراتيجيًا، نموذجها في إدارته مدفوعة باعتبارات سياسية واقتصادية عديدة. وتعتبر حماية الأطفال الرقمية جزءًا من نظام رقمي أكبر تقوده الدولة. تصف شاربين نجاح الصين في التقييد بأنه نتيجة امتلاكها تقنيات حجب قوية، للتشجيع على استخدام منصات التواصل والمراسلة المحلية. ورغم إمكانية تجاوز الحجب عبر أدوات تقنية، فإن الكلفة المادية والتعقيد التقني تجعل ذلك خيارًا محدود الانتشار مقارنة باستخدام المنصات المحلية المتاحة. وتضيف بأن هناك خيارًا آخر لنوع من المنصات مفتوحة المصدر وتمتلك بنية تحتية لامركزية. كمنصة ماستودون مثلا. إلا أن وصولها للجمهور محدود بسبب تعقيدها من حيث التصميم، واحتياج المستخدمين خلفية تقنية جيدة للتعامل معها.
-
الهوامش
*الأسماء في التقرير مستعارة حفاظًا على خصوصية أصحابها.
[1] شملت 21 دراسة مستعرضة بين 2018 و2025 في الدول العربية. وقد شملت الدراسة السعودية ومصر ولبنان والأردن والمغرب وفلسطين.
[2] أجريت الدراسة على الفئة العمرية من 7 إلى 10 سنوات، في أربع محافظات هي عمّان واربد والزرقاء والمفرق. وشملت الأطفال وأولياء أمورهم.





