من المكتبة العربية
نهاية الكتاب
يقدّم " نهاية الكتاب " تاليف شارل نودييه وترجمة محمد آيت حنا الصادر عن نادي الكتاب السعودي ، فكرة نهاية الكتاب والتنبؤ باختفاء الكتاب الورقي، منظورًا تاريخيًّا مهمًا لنقاش يُعتقد غالبًا أنه مرتبط فقط بالعصر الرقمي. فالكتاب، الذي يجمع نصوصًا كُتبت بين القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، يبيّن أن سؤال اختفاء الكتاب ليس جديدًا، بل يظهر مع كل تحوّل تقني في وسائل الإعلام. وبذلك يبدو أن الحديث عن «موت الكتاب» أصبح تقليدًا ثقافيًا يتكرر كلما ظهرت وسيلة تواصل جديدة.
يشير الكتاب إلى أن الثورة الصناعية في مجال الطباعة في القرن التاسع عشر أدت إلى زيادة هائلة في إنتاج الكتب والصحف والمنشورات. هذا التوسع في المطبوعات أثار في الوقت نفسه حماسة وخوفًا، فبينما رأى البعض في ذلك انتشارًا ديمقراطيًّا للمعرفة، خشي آخرون أن تؤدي وفرة المطبوعات إلى فقدان الكتاب لقيمته وإلى تراجع الإقبال على القراءة. ففي عام 1841 عبّر الكاتب شارل نودييه عن قلقه من اختفاء ما سماه بـ«عاشق الكتب»، في إشارة مبكرة إلى ما اعتُبر آنذاك أزمة ثقافية تهدد مكانة الكتاب.
ومن أبرز النصوص التي يتوقف عندها الكتاب مقال «نهاية الكتب» لأوكتاف أوزان (1894)، حيث يتخيل الكاتب مستقبلًا تُستبدل فيه القراءة بالاستماع. فقد رأى أن الفونوغراف يمكن أن يحلّ محل الطباعة، وأن الأعمال الأدبية قد تُسجَّل صوتيًّا وتُحفظ في مكتبات صوتية. وعلى الرغم من أن هذه الفكرة بدت خيالية في زمنه، فإنها تذكّر اليوم بانتشار الكتب الصوتية والمنصات الرقمية.
كما يعرض الكتاب أفكارًا أخرى بدت بدورها استباقية لواقعنا الحالي. فقد تخيّل بعض الكتّاب ظهور مواد جديدة أخف من الورق لتسجيل النصوص، بينما تصوّر آخرون إمكانية قراءة الكتب عن بُعد، وهو ما يذكّر اليوم بالقراءة عبر الإنترنت. أما الكاتب الساخر ألفونس أليه فقد اقترح فكرة طريفة تتمثل في استخدام حبر متطاير يختفي بعد القراءة، بحيث يضطر القارئ إلى شراء الكتاب مرة أخرى إذا أراد إعادة قراءته، وهي فكرة تشبه اليوم نماذج الوصول المؤقت إلى الكتب الرقمية.
ويتطرق الكتاب أيضًا إلى هاجس آخر كان يشغل الكتّاب آنذاك، وهو تصنيع الأدب. فقد تخيل بعضهم وجود آلات تنتج القصائد والروايات على نطاق صناعي، مما يحوّل الأدب إلى سلعة تُصنع كما تُصنع المنتجات الأخرى. والمفارقة أن هذه الفكرة لم تعد بعيدة عن واقعنا في زمن الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.
حياة الكتابة
يأخذنا كتاب «حياة الكتابة» للكاتبة الأمريكية آني ديلارد ترجمة منال الندابي واصدار دار الرافدين في رحلة مع الكاتب وحياته، ومع الحالة التي تسبق بداية الشروع في الكتابة والمعاناة في أثنائها وبعدها.
تشرح ديلارد أن الكتابة هي أسلوب حياة لا ينفصل عن شخصية الكاتب وتفكيره اليومي، فالكتابة هي التزام طويل يتطلب حضورًا ذهنيًّا مستمرًا واستعدادًا لتحمل العزلة والقلق والشك. تنظر ديلارد إلى الكتابة كرحلة غير مضمونة النتائج، يبدأ فيها الكاتب من مساحة غامضة، ويكتب دون أن يعرف بالضبط إلى أين ستقوده الجملة التالية. فهذه الضبابية جزء أساسي من العملية الإبداعية، لأن المعنى لا يظهر دفعة واحدة، بل يتشكّل تدريجيًّا في أثناء العمل.
كما أن الموهبة وحدها لا تكفي، إذ يلزمها الانضباط فهو الأساس الحقيقي للكتابة، ويتمثل هذا الانضباط في تبنّي روتين ثابت في مكان وزمن ثابتين، حتى في الأيام التي يشعر فيها بالخواء أو التعب. برأي ديلارد أن انتظار الإلهام قد يكون وهمًا، بينما الجلوس المنتظم للكتابة هو ما يفتح الطريق أمام الأفكار. هذا الالتزام غالبًا ما يتطلب تضحيات، مثل الابتعاد عن الراحة أو العلاقات الاجتماعية، ﻷن التركيز لا يتحقق وسط الضجيج والانشغال الدائم.
تُظهر التجربة أن الكتابة عمل شاق نفسيًا، مليء بالصراع مع الذات. فالكاتب يواجه مخاوفه، ويشكك في قيمة ما يكتب، ويشعر أحيانًا بأن الجهد المبذول قد لا يؤدي إلى شيء واضح أو ملموس. ومع ذلك، فإن هذا الصراع هو ما يمنح الكتابة معناها الحقيقي، لأنها إنتاج نص ومحاولة لفهم العالم والنفس معًا. الصفحة البيضاء تتحول إلى مساحة مواجهة، يختبر فيها الكاتب صدقه وصبره وقدرته على الاستمرار.
تؤمن المؤلفة أن الكتابة، في جوهرها، لا تكون ذات أهمية كبيرة للعالم الخارجي. لا أحد ينتظر النص مثلما ينتظره الكاتب نفسه، ولا يوجد ضمان بأن العمل سيُقرأ أو يُقدَّر. لكن هذه الحقيقة القاسية تمنح الكاتب حرية داخلية، إذ يصبح الدافع للكتابة نابعًا من الحاجة الشخصية للتعبير والفهم، لا من البحث عن الاعتراف أو النجاح.
The post من المكتبة العربية appeared first on جريدة المدى.





