من المهجر إلى المدرجات.. عراقيون يوحدهم العلم ويجمعهم عشق الوطن في مونتيري
بغداد - واع - آية منصور
من مدرجات مونتيري، لم يكن العراق يستعيد بطاقة عبوره إلى كأس العالم وحسب، وإنما كان يستعيد شيئاً أعمق، ظل موزعاً لسنوات بين المنافي والحدود وخرائط الغياب. ففي المباراة الحاسمة التي انتهت بفوز العراق على بوليفيا 2-1 ، وعاد بها المنتخب إلى المونديال للمرة الأولى منذ 1986، ظهر وجه آخر للحكاية، وجه عراقيين شدّوا الرحال من بلدان ومدن متباعدة نحو المكسيك، فقط كي يكونوا هناك حين يقترب الوطن من صورته التي يحبونها.
المدرجات امتلأت بالعراقيين
قبل صافرة البداية التي انطلقت عند التاسعة مساءً يوم الحادي والثلاثين من آذار بتوقيت مونتيري، كان العراقيون قد سبقوا المباراة إلى المدينة بأيام وساعات متفاوتة، بعضهم وصل جواً من الولايات المتحدة وكندا وألمانيا، وآخرون قطعوا الطريق براً من مدن أميركية مجاورة، في رحلات طويلة امتدت لساعات، حتى صار التجمع العراقي في مونتيري مشهداً لافتاً بحد ذاته. وفي ماكروبلازا، حيث رصدت وسائل إعلام محلية تجمّع مئات المشجعين عشية اللقاء، بدا واضحاً أن الأمر تجاوز حضور جالية لمباراة كرة قدم، إلى مشهد نادر لجمهور عبر قارات وحدود، كي يساند منتخباً كان على بعد خطوة من كتابة لحظة تاريخية. هذا الحضور، الآتي من أماكن متباعدة، أثار انتباه المكسيكيين أنفسهم، خصوصاً مع ما نقلته تقارير ميدانية عن وصول مشجعين من تكساس، ومن سان دييغو مع مجموعات قال أحد أفرادها، إنها ملأت ثلاث طائرات، وسط ترحيب محلي تحوّل سريعاً إلى تعاطف مع المنتخب العراقي وجمهوره.
في شوارع مونتيري وداخل محيط الملعب، بدا الجمهور العراقي كأنه صورة مصغّرة عن بلد توزّع طويلًا بين الداخل والاغتراب ثم اجتمع دفعة واحدة تحت علم واحد. الأعلام العراقية واللافتات المشجعة للمنتخب، حضرت بكثافة، ومعها رجال ونساء وأطفال، ومشجعون جاؤوا من أماكن ولهجات وتجارب مختلفة، فيما بدا واضحاً أن الحضور لم يكن محصوراً بجالية واحدة أو مدينة واحدة. بعضهم وصل من الولايات المتحدة وكندا وأوروبا، وبعضهم جاء مباشرة من العراق، وفي اجتماعهم ذاك تحوّل التشجيع من فعل رياضي إلى إعلان انتماء جماعي في ليلة كانت البلاد كلها تنتظرها. هذا المشهد نفسه التقطته تغطيات ميدانية في مونتيري تحدثت عن عراقيين توافدوا من أكثر من قارة، وعن تجمّعات عراقية لافتة في ماكروبلازا قبل المباراة بيوم.
مشجعون عبروا القارات
وقال المشجع، محمد سالم، لوكالة الأنباء العراقية (واع): إنه" قدم إلى مونتيري برفقة عائلته من دالاس/ الولايات المتحدة، في طريق استغرق بالسيارة أكثر من عشر ساعات قيادة وتوقف وحدود، مبيناً أن حضور هذه المباراة لم يكن قراراً عادياً بالنسبة إليه، لأن اللحظة نفسها انتظرها العراقيون طويلاً".
وأضاف محمد، أن" العائلة كانت قد حسمت أمرها منذ وقت مبكر، وتعاهدت على أن تكون حاضرة إذا اقترب المنتخب من التأهل، لأن ما يحدث أكبر من مباراة كرة قدم، وأقرب إلى موعد مؤجل منذ عقود".
وأوضح أن" العراقي الذي يعيش بعيداً عن بلده يتعلّق أكثر بمثل هذه اللحظات، لأنها تعيد إليه شيئاً من البيت والذاكرة والانتماء، وتجعله يشعر بأن المسافات، مهما اتسعت، يمكن أن تنكمش أمام قميص المنتخب والعلم العراقي".
وتابع أن" أربعين عاماً من الانتظار كافية كي تفسّر لماذا عبر مشجعون الحدود والقارات إلى المكسيك، بعضهم برحلات جوية طويلة، وآخرون بساعات سفر برية مرهقة، فقط ليكونوا هناك حين يقترب العراق من المونديال مرة أخرى".
العلم جمع ما فرّقته المدن
فيما، قال المشجع المغترب، هاني نسيم، القادم من الولايات المتحدة، لـ(واع): إن" رحلته إلى مونتيري، بدأت على عجل فور خروجه من العمل، إذ عاد إلى البيت سريعاً، استحمّ، جمع أغراضه، ثم اتجه إلى المطار قبل الحادية عشرة ليلًا، استعداداً لرحلة أقلعت عند الساعة الثانية وعشرين دقيقة بعد منتصف الليل من شيكاغو، واستغرقت نحو أربع ساعات، قبل أن يصل عند السادسة فجراً إلى المكسيك".
وأضاف أن اليوم نفسه مضى بإيقاع عراقي خالص، فبعد الوصول إلى الفندق، التحق بالتجمع العراقي ظهراً في ساحة ماكرو بلازا، ثم انتقل المشجعون عند الخامسة عصراً إلى محيط الملعب، في نقطة قريبة اسمها Oxxo Exposición، حيث استمرت الأهازيج والرقص حتى السابعة مساءً، قبل الدخول إلى المدرجات، فيما انطلقت المباراة عند التاسعة ليلاً".
وأوضح هاني، أن" الحضور العراقي كان لافتاً في تنوعه، إذ شاهد نساءً جئن وحدهن، وكباراً في السن، وعائلات كاملة، حتى إن نحو 60 % من ركاب الطائرة التي أقلته كانوا عراقيين".
وتابع أن "عراقيين كثيرين قدموا براً من الولايات الجنوبية الأميركية، من تكساس ودالاس وهيوستن وأوستن، في رحلات قيادة طويلة، فيما وصل آخرون من شيكاغو وميشيغن ونيويورك وكندا وكاليفورنيا جواً، وبعضهم سبق المباراة بأيام".
وأشار إلى أن" كثيراً من الجمهور المكسيكي كان يشجع العراق أيضاً، وأن بعضهم استعاد في حديثه موقف ملكة جمال العراق حين ساندت ملكة جمال المكسيك في تايلاند حيث تعرضت لموقف مسيء، في التفاتة بدت له مؤثرة وسط هذا الزخم كله".


