من القيد إلى الغربة… ومن الغربة إلى الخلود: رياض العمور حكاية رجلٍ لم ينكسر
ليس كل من خرج من السجن تحرّر… فبعضهم يحمل السجن في جسده، وفي أنفاسه، وفي قلبه الذي أنهكته سنوات القهر.
وليس كل من ابتعد عن وطنه غاب… فثمة رجالٌ يسكنون الأرض ولو كانوا في المنافي، لأنهم زرعوا أسماءهم في ذاكرة الوطن.
هكذا كان الشهيد الأسير المحرر المُبعد رياض العمور… رجلٌ لم يكن مجرد رقمٍ في سجل الأسرى، بل قصة نضالٍ طويلة، كُتبت بالرصاص والوجع والصبر.
وُلد رياض العمور في أرضٍ تعرف معنى المواجهة، فاختار منذ شبابه أن يكون في الصفوف الأولى، منخرطًا في صفوف حركة فتح، حاملًا روحه على كفّه، ومؤمنًا أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع.
لم يكن مجرد مناضل عابر… بل كان قائدًا ميدانيًا، طاردته قوات الاحتلال لسنوات، لأنه كان وجعًا دائمًا في خاصرتها.
في الانتفاضتين، الأولى والثانية، كُتب جسده بآثار الرصاص، فكانت كل إصابة وسامًا جديدًا على صدره. رصاصة في البطن، وأخرى في الرقبة، وثالثة في القدم… لكنه لم يتراجع، ولم يساوم، ولم يساكن الخوف.
كان يعرف أن الطريق إلى الحرية مُكلّف، فدفع من دمه وصحته وحياته.
سنوات المطاردة انتهت باعتقاله عام 2002، بعد مشهدٍ إنساني موجع، حين اضطر لتسليم نفسه حفاظًا على عائلته من بطش الاحتلال.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة أخرى… رحلة الألم داخل الزنازين.
داخل السجن، لم يكن رياض مجرد أسير… بل كان حالة صمود.
درس، وناضل، وشارك في الإضرابات، وواجه السجّان بإرادةٍ لا تلين، رغم أن جسده كان ينهار يومًا بعد يوم.
تعرض لتحقيق قاسٍ، وإهمال طبي ممنهج، فتك بقلبه ورئتيه وأعضائه، حتى صار يعيش على أجهزة طبية، ويصارع نوبات الغيبوبة، وكأن الموت كان يطرق بابه كل يوم… لكنه كان يرفض أن يفتح.
وعندما خرج من السجن… لم يخرج إلى الوطن.
خرج إلى منفى جديد.
أُبعد إلى مصر، ليكتشف أن الحرية المبتورة قيدٌ آخر، وأن الغربة سجنٌ بلا جدران.
هناك، بعيدًا عن تقوع وبيت لحم، بعيدًا عن أطفاله وأهله، حمل رياض سنواته الثقيلة، وجسده المثقل بالمرض، وذاكرته التي لم تنسَ الزنازين.
لم تمنحه الحياة فرصة للراحة، ولم يُمهله الجسد أكثر… فارتقى شهيدًا، لا برصاصةٍ هذه المرة، بل بإهمالٍ تراكميٍّ سرق عمره ببطء.
في ختام سطور مقالي:
رياض العمور لم يكن مجرد أسيرٍ تحرر… بل كان شهيدًا مؤجلاً، كُتب له أن يواجه الموت على مراحل، وأن يدفع ثمن نضاله حتى آخر نبضة في قلبه.
هو حكاية شعبٍ يُعاقَب حتى بعد حريته… وحكاية مناضلٍ لم يعرف الانكسار، فبقي واقفًا حتى وهو يحتضر.
رحمك الله يا شهيد الغربة…
يا من سُجنت جسدًا، ونُفيت روحًا، لكنك بقيت حاضرًا في وجدان وطنك.
ستبقى اسمك شاهدًا أن الرجال لا تُقاس بأعمارهم… بل بما تركوه من أثر.
الحرية للأسرى… والعودة للمبعدين… والمجد للشهداء.




