من الخبز إلى الحقوق السياسية: عندما تتسع الفجوة بين تطلعات الأردنيين وأولويات حكومة حسان!
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كتب - د. عبدالله حسين العزام
ليست المشكلة في الأردن أن المواطنين يرفضون الإنجازات، بل إن المشكلة الحقيقية تكمن في اختلاف تعريف الإنجاز بين الحكومة والشارع.
فبينما ينتظر الأردنيون حلولاً لأزمات عميقة تتمثل بالبطالة والفقر وارتفاع الأسعار وتآكل الطبقة الوسطى، يطالعهم الخطاب الحكومي غالباً بقضايا تبدو بعيدة عن وجعهم اليومي، وكأن هناك مسارين متوازيين لا يلتقيان؛ مسار حكومي يُقاس بالإجراءات والقرارات، ومسار شعبي يُقاس بالخبز والعمل والرواتب وفاتورة الكهرباء والمحروقات.
المواطن الأردني لا يستيقظ صباحاً وهو يفكر بعدد السفرات الرسمية التي تم إلغاؤها حتى نهاية العام، ولا بتأخير الدوام أو تقليصه خلال مباريات المنتخب في كأس العالم 2026، ولا يرى في تثبيت أسعار المحروقات إنجازاً اقتصادياً كبيراً ما دامت هذه الأسعار ما تزال مرتفعة قياساً بدخله وقدرته الشرائية. ما يشغله حقاً هو سؤال بسيط ومؤلم: كيف يمكن أن يعيش بكرامة في ظل دخل ثابت وأسعار لا تتوقف عن الصعود؟
لقد تحولت المعيشة في الأردن إلى معركة يومية صامتة وطاحنة يخوضها المواطن وحده؛ فكل ارتفاع في الأسعار يقتطع جزءاً جديداً من قدرته على الاحتمال، وكل وعود بالإصلاح الاقتصادي لا تنعكس على أرض الواقع تزيد من حالة الإحباط العام؛ وبينما تتحدث الحكومة عن المؤشرات والخطط والاستراتيجيات، يتحدث الناس عن التحديات والضغوطات اليومية والإيجارات والأقساط والديون وفرص العمل المفقودة وتآكل منظومة العدالة الاجتماعية.
الأخطر من ذلك أن الفجوة لم تعد اقتصادية فقط، بل باتت سياسية كذلك، فالمواطن الذي يشعر بأن مطالبه المعيشية لا تجد استجابة ملموسة، يبدأ تدريجياً بفقدان ثقته بقدرة المؤسسات على تمثيل أولوياته والدفاع عن مصالحه. ومع تراجع الثقة، تصبح أي رواية رسمية أقل قدرة على الإقناع، مهما كانت مدعومة بالأرقام أو إحصائيات مراكز الدراسات أو محاطة بالتبريرات اللفظية. وفي السياق ذاته، يتعزز انطباع عام بوجود محدودية في عدالة التنافس على بعض المواقع العامة، بما يضعف مبدأ تكافؤ الفرص ويزيد الإحساس بالتباعد بين المواطن ومراكز صنع القرار.
في السياسة، غياب المعالجة لا يترك فراغاً، بل يفتح الباب للشكوك، وتتقدم التفسيرات البديلة على حساب الخطاب الرسمي، ويبدأ المزاج العام في التشكل خارج الإطار المؤسسي للدولة.
المشكلة ليست في قرار هنا أو إجراء هناك، بل في فلسفة إدارة الأولويات ذاتها. فالحكومة لا تُقاس بقدرتها على إدارة التفاصيل، بل بقدرتها على معالجة القضايا الكبرى التي تمس حياة مواطنيها؛ والبطالة قضية كبرى، وتآكل الدخول قضية كبرى، وارتفاع كلفة المعيشة قضية كبرى، وتكافؤ الفرص قضية كبرى، وتعزيز الحقوق السياسية والحريات العامة وبناء الثقة قضية كبرى. أما ما عدا ذلك، فيبقى – مهما جرى الترويج له – خارج دائرة الاهتمام الشعبي الحقيقي على كافة امتداد الجغرافيا الأردنية.
إن المواطن الأردني لا يطالب بالمستحيل. فهو لا يبحث عن رفاهية استثنائية ولا عن معجزات اقتصادية، بل عن حدٍّ أدنى من العدالة في توزيع الفرص، واستقرار في الدخل، ووضوح في السياسات، وشعور بأن الدولة تنظر إلى همومه بالجدية ذاتها التي ينظر بها إليها.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تدرك الحكومة أن الشارع الأردني يقيس نجاحها بمدى اقترابها من قضايا الخبز والعمل والحقوق، أم أن إدارة العناوين ما تزال تُقدَّم على حساب إدارة الواقع؟
فالناس لا تعيش في البيانات الرسمية، بل في تفاصيل حياتها اليومية؛ والواقع يقول إن المواطن ما زال ينتظر ما هو أكبر بكثير من القرارات الهامشية، وما هو أعمق من الحديث المتكرر، إنه ينتظر حكومة تجعل أولوياته هي أولوياتها، لا حكومة تطلب منه أن يقتنع بأن أولوياتها هي أولوياته.


