يتجه ملف توسعة مطار رفيق الحريري الدولي نحو مرحلة جديدة، عنوانها إعادة ترتيب أولويات تطوير المطار وتحديث دوره خلال السنوات المقبلة، بعد سنوات من تعثر المشاريع المطروحة. وفيما لم يعد مشروع إنشاء مبنى ثان للمسافرين "ترمينال 2"، مطروحا للتنفيذ في المرحلة الحالية، إلا أنه يبقى ضمن التصور والخطة الطويلة الأمد لوزارة الأشغال العامة والنقل لتطوير المطار وتلبية احتياجاته المستقبلية. أما العمل في المرحلة الراهنة، فيتركز على توسعة وتحديث المبنى الحالي ليستوعب نحو مليوني مسافر اضافي، إلى جانب تحديث المخطط التوجيهي العام بما يواكب تطورات قطاع الطيران وحجم الحركة المتوقعة واحتياجات لبنان المستقبلية.
وتوازيا هذا المسار، يبرز اقتراح آخر، لا يزال التداول به محصورا ضمن الغرف المغلقة. المشروع قد يساهم في تخفيف الضغط عن مطار بيروت وتنظيم حركة جزء من المسافرين، ولا سيما السوريين، من خلال دراسة استخدام مطار القليعات لنقلهم مباشرة من الحدود اللبنانية بواسطة حافلات مخصصة وتحت إشراف أمني.

الحاجة إلى التوسعة بالأرقام
الحاجة إلى زيادة القدرة الاستيعابية لمطار بيروت تؤكدها أرقام حركة المسافرين. فالمبنى الحالي، الذي افتتح عام 1998 بطاقة استيعابية تقارب 6 ملايين مسافر سنويا، تجاوز هذه القدرة منذ عام 2013، فيما بلغت حركة المسافرين نحو 8.8 ملايين مسافر عام 2018، قبل أن تتراجع الحركة بفعل جائحة كورونا.
وفي أيار 2018، أقر مجلس الوزراء المخطط التوجيهي العام لتطوير وتوسعة مطار رفيق الحريري الدولي، بهدف معالجة الاختناقات الناتجة عن الازدحام في مبنى المسافرين الحالي.
وكان التصور يقوم على إنشاء مبنى جديد مستقل للمسافرين، يفصل حركة الركاب والخدمات والطائرات وشركات الطيران عن المبنى القائم. وفي الصيغة التي عرضتها وزارة الأشغال عام 2023، قدرت الطاقة الاستيعابية للمبنى الجديد بنحو 3.5 ملايين مسافر سنويا.
وفي آذار 2023، أخذ المشروع شكلا عمليا مع طرح إنشاء مبنى جديد للمسافرين والرحلات العارضة والسياحية "Terminal 2". وقدمت الوزارة المشروع باعتباره استثمارا خاصا لا يحمّل الخزينة كلفة التمويل أو القروض، ويضيف نحو 3.5 ملايين مسافر إلى الطاقة الاستيعابية للمطار. كما قدرت فرص العمل التي يمكن أن يوفرها بأكثر من 500 فرصة مباشرة ودائمة ونحو 2000 فرصة غير مباشرة.
ولكن المشروع دخل سريعا في سجال قانوني وسياسي حول آلية التعاقد، بعدما أبرمت وزارة الاشغال العقد مع الشركة اللبنانية للنقل الجوي (LAT) لتمويل وإنشاء وإدارة وتشغيل المبنى الجديد بالتراضي استنادا إلى قانون رسوم المطارات الصادر عام 1974، من دون طرحه في مناقصة عامة وفق الآليات التي أقرها قانون الشراء العام.
ومع تصاعد الاعتراضات، تراجع وزير الأشغال السابق علي حمية عن العقد، معلنا عدم السير به واعتباره "كأنه غير موجود"، ليعود ملف توسعة المطار مجددا إلى نقطة الصفر.

"Terminal 2" خطة بعيدة المدى
مصادر وزارة الأشغال توضح أن خطة "Terminal 2" ليست مشروعا جديدا، وأنها تندرج ضمن الرؤية الطويلة المدى لتطوير المطار، فيما ينصب التركيز في المرحلة الحالية على مشاريع أكثر إلحاحا، في مقدمها مشروع الـ"Fast Track" الذي يفترض افتتاحه قريبا، إلى جانب أعمال تجديد المرافق، ومنها دورات المياه، بشكل تدريجي.
أما إنشاء مبنى ثان للمسافرين، فيبقى ضمن الخطط الطويلة الأمد لوزارة النقل، من دون وجود جدول زمني محدد لتنفيذه حتى الآن.
"الميدل ايست" حاضرة للتمويل
في موازاة ذلك، تبقى شركة طيران الشرق الأوسط حاضرة في النقاش حول مستقبل المطار وتمويل مشاريعه. رئيس مجلس إدارتها محمد الحوت أشار إلى أن مشروع التوسعة مطروح منذ عام 2018 من دون أن ينتقل إلى التنفيذ". علما أنه كان قد أعلن استعداد الشركة لتمويل المشروع الذي قدرت كلفته بنحو 500 مليون دولار، وهو لم يتراجع عن اقتراحه التمويل.
ويعيد هذا الطرح إلى الواجهة نموذج الشراكة مع القطاع الخاص، في وقت تبدو فيه قدرة الدولة المالية على تمويل مشروع بهذا الحجم محدودة، فيما يحتاج المطار إلى استثمارات كبيرة لتوسيع قدرته وتحسين بنيته التحتية.

السوريون على خط مطار القليعات
على خط مواز لتوسعة مطار بيروت، يجري بحث خيار الافادة من مطار القليعات لاستقبال ونقل المسافرين السوريين، في خطوة يمكن أن تشكل جزءا من إعادة تنظيم حركة المسافرين بين لبنان وسوريا.
وتقوم الفكرة المطروحة على استخدام حافلات مخصصة لنقل المسافرين السوريين مباشرة من الحدود اللبنانية إلى المطار، تحت إشراف أمني، على أن يتولى المسافرون شراء تذاكر السفر من داخل سوريا وإنجاز معاملاتهم في الجانب السوري، بما يتيح لهم الانتقال إلى المطار من دون المرور بالإجراءات المعتادة في المطارات.
وبحسب المعطيات، كان الخيار المطروح في البداية إنشاء قطار أو "Monorail" يربط الحدود بالمطار، إلا أن هذا الاقتراح استبعد، وفق ما يؤكد رئيس الهيئة الناظمة للطيران المدني الكابتن محمد عزيز لـ"النهار" بسبب الكلفة المرتفعة جدا لأعمال الحفر، فضلا عن الحاجة إلى استملاك أراض لتنفيذ خط بهذا الحجم. لذلك اتجهت الدراسة نحو حل أكثر بساطة وأقل كلفة، يقوم على حافلات تنقل المسافرين مباشرة إلى مطار القليعات".
وفيما جرى التواصل مع الهيئة العامة للطيران المدني في سوريا، ينتظر الملف الرد من الجانب السوري للانتقال إلى مرحلة التنسيق مع الوزارات اللبنانية المعنية، ولا سيما الداخلية والخارجية والمالية والأشغال العامة، إضافة إلى القوى والأجهزة الأمنية.


