من الضغط إلى الانفجار.. ولعبة “حافة الهاوية”
الوطن – أسرة التحرير:
إعلان القيادة المركزية الأمريكية بدء حصار بحري على إيران، أمر يتجاوز حدود الخبر إلى جوهر الاستراتيجية، فالحصار البحري، في القاموس العسكري، ليس إجراء اعتيادياً، بل خطوة تصعيدية قد ترقى إلى إعلان حرب غير مباشر، حتى وإن لم تصاغ بهذه اللغة الصريحة.
هذا النوع من التحركات لا يمكن فهمه بمعزل عن ما يعرف في الاستراتيجية العسكرية بمفهوم “حافة الهاوية”، حيث تدفع الأزمة تدريجياً نحو نقطة الانفجار، مع افتراض أن الطرف الآخر (الإيراني) سيتراجع قبل السقوط، لتصبح الأمور في إطار لعبة أعصاب بامتياز، تدار على حافة خط رفيع يفصل بين الردع والانفجار.

الإشكالية الجوهرية في هذه الاستراتيجية تكمن في طبيعة الافتراضات التي تقوم عليها، فكل خطوة تصعيدية، مهما بدت محسوبة، تحمل احتمالات سوء تقدير أو قراءة خاطئة للنوايا، أو حتى ردود فعل غير متوقعة من أطراف ثالثة، والتاريخ العسكري والسياسي مليء بأمثلة على صراعات انطلقت من سلسلة خطوات صغيرة، ظن المتحكمون أنها تحت السيطرة، لتتحول في النهاية إلى مواجهة مفتوحة غير مخطط لها.
من خلال علمنا بالسياسية الإيرانية، فإن طهران، لا يمكن أن تنظر للحصار البحري كإجراء تقني قابل للاحتواء، بل يعتبر مساساً مباشراً بسيادتها وحقها في الحركة والتجارة، لذا فإن الرد الإيراني قد يتجاوز المجال البحري ليشمل ساحات متعددة، وربما بأساليب غير تقليدية تعكس طبيعة الصراع غير المتكافئ بين الطرفين.
أما الولايات المتحدة، فتدرك أن فرض حصار بحري لا يقتصر على الضغط على إيران فحسب، بل يفتح الباب أمام تداعيات عالمية صعبة السيطرة، من اضطراب أسواق الطاقة إلى احتمالات تدخل قوى إقليمية أو دولية بشكل مباشر أو غير مباشر، وهنا تكمن المفارقة الكبرى.. كلما اعتمدت الاستراتيجية على “حافة الهاوية”، تقلصت مساحة المناورة الآمنة، وأصبح أي حادث محدود قادراً على التحول إلى شرارة مواجهة واسعة.
الأخطر من ذلك أن الحروب في هذا السياق لا تبدأ بقرار واضح، بل بتراكم خطوات صغيرة، كل منها يبدو مبرراً في حينه، ومع كل خطوة، تتآكل القدرة على التراجع دون خسارة الهيبة أو المصداقية، إلى أن تجد الأطراف نفسها في مواجهة لم تكن تخطط لها أصلاً.
في النهاية، لا يكمن الخطر الحقيقي في الحصار ذاته، بل في المنطق الذي يقف خلفه، منطق يفترض أن التصعيد يمكن التحكم به إلى ما لا نهاية، وأن الخصم سيتصرف دائماً وفق الحسابات المتوقعة. غير أن التاريخ، مراراً، أثبت عكس ذلك.
وعليه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه، إلى أي مدى يمكن الاستمرار في اختبار حدود الهاوية قبل أن تختفي الأرض تماماً تحت الأقدام.





