من علاج المرض إلى تعزيز الصحة : إعادة ترتيب أولويات النظام الصحي في الأردن
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كتب - اللواء المتقاعد د.موسى العجلوني
تشهد الأنظمة الصحية حول العالم تحولاً متسارعاً في فلسفة تقديم الرعاية الصحية، مدفوعاً بارتفاع معدلات الأمراض المزمنة، والتوسع الكبير في كلف العلاج والتكنولوجيا الطبية، إضافة إلى التحديات المرتبطة باستدامة التمويل الصحي. وفي هذا السياق، لم يعد كافياً أن يقتصر دور المستشفيات على تقديم الخدمات العلاجية المتقدمة بعد وقوع المرض، بل أصبح من الضروري أن تضطلع بدور وقائي وتثقيفي فاعل يساهم في حماية صحة المجتمع قبل تدهورها.
وفي الأردن، تبرز هذه الحاجة بصورة أكثر إلحاحاً في ظل حقيقة أن معظم الإنفاق الصحي يتركز على الرعاية الصحية الثانوية والثالثية، بما يشمله ذلك من مستشفيات ومراكز متخصصة وأدوية وإجراءات علاجية مرتفعة الكلفة، بينما لا تزال مخصصات الوقاية والتثقيف الصحي وتعزيز أنماط الحياة الصحية محدودة نسبياً، رغم أن الأمراض المزمنة غير السارية — كالسكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والسمنة — مسؤولة عن النسبة الأكبر من الوفيات والعبء المرضي في المملكة.
ومن هنا، فإن إعادة التوازن بين "العلاج” و”الوقاية” لم تعد ترفاً فكرياً أو خياراً ثانوياً، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لضمان استدامة النظام الصحي ورفع كفاءته وتحسين جودة الحياة.
من علاج المرض إلى تعزيز الصحة
يتجه العالم اليوم نحو نموذج صحي حديث يقوم على مفهوم "تعزيز الصحة وصناعة العافية” بدلاً من الاقتصار على إدارة المرض بعد حدوثه. ويقوم هذا النموذج على تمكين الإنسان من امتلاك المعرفة والمهارات والسلوكيات التي تساعده على الوقاية من الأمراض وتأخير مضاعفاتها وتحسين نوعية حياته.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية المستشفيات أو الرعاية التخصصية المتقدمة، بل إعادة تعريف دورها ليشمل إلى جانب العلاج، قيادة المجتمع صحياً عبر التثقيف والتوعية والكشف المبكر والتدخل الوقائي.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية مأسسة التثقيف الصحي داخل المستشفيات، بحيث لا يبقى نشاطاً موسمياً أو مبادرات متفرقة، وإنما يتحول إلى وظيفة مؤسسية مستدامة ضمن الهيكل الإداري والطبي، مدعومة بخطط وبرامج واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
لماذا يمثل الاستثمار في الوقاية خياراً اقتصادياً رشيداً؟
تؤكد الأدبيات الصحية والاقتصادية أن الاستثمار في الوقاية والتثقيف الصحي يعد من أكثر الاستثمارات الصحية جدوى على المدى الطويل، إذ يسهم في خفض معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، وتقليل الحاجة إلى الدخول المتكرر للمستشفيات، والحد من الإنفاق على الأدوية والإجراءات العلاجية المعقدة.
كما أن رفع الوعي الصحي المجتمعي يؤدي إلى تحسين السلوكيات المرتبطة بالغذاء، والنشاط البدني، والنوم، والتدخين، والالتزام بالفحوصات الدورية، وهو ما ينعكس مباشرة على صحة الأفراد وإنتاجيتهم وعلى كفاءة الإنفاق الصحي الوطني.
وفي الدول التي نجحت في بناء أنظمة صحية أكثر استدامة، لم يكن الإنجاز قائماً على التوسع في العلاج وحده، بل على تعزيز الرعاية الصحية الأولية، والاستثمار في الوقاية، واعتبار التثقيف الصحي جزءاً أساسياً من الأمن الصحي الوطني.
نماذج وطنية تؤكد جدوى الاستثمار في الوقاية
تُظهر بعض التجارب الأردنية الناجحة أن الاستثمار في التثقيف الصحي والوقاية والكشف المبكر ليس ترفاً صحياً أو عبئاً مالياً إضافياً، بل خياراً وطنياً قادراً على إنقاذ الأرواح ورفع كفاءة النظام الصحي وتخفيف الأعباء الاقتصادية طويلة المدى.
ومن أبرز هذه النماذج البرنامج الوطني للكشف المبكر عن سرطان الثدي، الذي يُعد واحداً من أهم المبادرات الصحية الوقائية في الأردن، ويقود جهود التوعية والكشف المبكر بالتعاون مع مختلف المؤسسات الصحية، فيما يشكل مركز الحسين للسرطان شريكه الاستراتيجي وراعيه الرئيسي، بما يمتلكه من خبرة علمية ومؤسسية متقدمة في مجال مكافحة السرطان.
وقد نجح البرنامج خلال السنوات الماضية في ترسيخ ثقافة الكشف المبكر داخل المجتمع الأردني، ونقل التعامل مع سرطان الثدي من مرحلة الخوف والتأخر في التشخيص إلى مرحلة الوعي بأهمية الفحص المبكر ورفع نسب اكتشاف المرض في مراحله الأولى، الأمر الذي انعكس على تحسين فرص الشفاء وتقليل كلفة العلاج والمعاناة الإنسانية.
كما استطاع البرنامج الوصول إلى مختلف المحافظات والفئات العمرية عبر حملات توعوية واسعة وشراكات فاعلة مع القطاعين العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني، ليصبح نموذجاً وطنياً يحتذى به في مأسسة الوقاية الصحية والتثقيف المجتمعي.
وفي السياق ذاته، برزت مبادرات مؤسسية أخرى داخل بعض المستشفيات الأردنية لتعزيز مفهوم الصحة الوقائية والتثقيف الصحي، ومن بينها تجربة المستشفى الإسلامي من خلال إنشاء مركز متخصص للاستشارات الغذائية الطبية وبرامج توعوية مستدامة تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتركز على التغذية الصحية، والنشاط البدني، والصحة النفسية، وتعزيز أنماط الحياة السليمة، بما يعكس فهماً متقدماً لدور المستشفى كمؤسسة مجتمعية لا يقتصر دورها على العلاج فقط.
وتؤكد هذه النماذج مجتمعة أن النجاح في الوقاية الصحية لا يتحقق بالحملات الموسمية أو المبادرات المؤقتة، بل ببناء مؤسسات وبرامج دائمة تمتلك رؤية واضحة، وشراكات فاعلة، ورسالة توعوية مستمرة.
إن وجود هذه التجارب الوطنية الناجحة يثبت أن الأردن يمتلك الخبرة والكفاءات القادرة على بناء ثقافة صحية وقائية متقدمة، لكنه يحتاج إلى إعادة توجيه أولويات الإنفاق الصحي بحيث لا يبقى الجزء الأكبر منه موجهاً لعلاج الأمراض بعد وقوعها، بينما تبقى الوقاية والتثقيف الصحي والرعاية الصحية الأولية في هامش الاهتمام.
فكل دينار يُستثمر في التوعية والكشف المبكر وتعزيز أنماط الحياة الصحية، يوفّر أضعافه من كلف العلاج والاستشفاء لاحقاً، ويسهم في بناء مجتمع أكثر صحة وإنتاجية واستقراراً على المدى البعيد.
نحو استراتيجية وطنية لتعزيز التثقيف الصحي
إن التجارب الأردنية الناجحة في التثقيف الصحي والكشف المبكر تقدم نماذج عملية يمكن البناء عليها ضمن رؤية وطنية أشمل لتعزيز الصحة والوقاية في الأردن، خاصة في ظل التحديات المتزايدة التي تفرضها الأمراض المزمنة وارتفاع كلف الرعاية العلاجية.
وقد يكون من المناسب التفكير مستقبلاً في تبني سياسات صحية تشجع جميع المستشفيات — الحكومية والخاصة والعسكرية والجامعية — على إنشاء وحدات أو مراكز متخصصة بالتثقيف الصحي والوقاية، وربطها ببرامج مجتمعية مستدامة تستهدف رفع الثقافة الصحية وتعزيز أنماط الحياة السليمة.
كما أن تعزيز التكامل بين المستشفيات والرعاية الصحية الأولية ووسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لبناء مجتمع أكثر وعياً وقدرة على الوقاية من الأمراض.
الخلاصة
إن مستقبل الأنظمة الصحية لا يقاس فقط بعدد المستشفيات والأسِرّة والأجهزة الطبية المتقدمة، وإنما بقدرتها على تقليل المرض قبل حدوثه، وتعزيز صحة الإنسان وجودة حياته.
ومن هنا، فإن مأسسة التثقيف الصحي والوقاية من الأمراض داخل المؤسسات الطبية تمثل استثماراً وطنياً بعيد المدى في الإنسان والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي، وتعد خطوة أساسية نحو بناء منظومة صحية أكثر كفاءة واستدامة وعدالة.
كما أن التجارب الأردنية الناجحة في التوعية الصحية والكشف المبكر تؤكد أن بناء ثقافة وقائية مجتمعية ليس أمراً مستحيلاً، بل خياراً واقعياً يحتاج إلى إرادة مؤسسية وإعادة توجيه الأولويات الصحية نحو الإنسان قبل المرض، والوقاية قبل العلاج.



