ملوّثات "الرستمية" تُوقف مشاريع مياه الشرب في واسط وتنفق الأسماك في دجلة
واسط / جبّار بچاي
أوقفت مديرية ماء محافظة واسط جميع مشاريع ومجمّعات مياه الشرب شمال مدينة الكوت، إثر وصول بقعة زيتية كبيرة وملوّثات بيئية خطيرة عبر مياه مشروع مجاري الرستمية جنوبي بغداد، داعيةً المواطنين إلى ترشيد الاستهلاك وخزن كميات كافية من المياه لحين إعادة التشغيل، في وقت أعلن فيه مسؤول محلي أن المديرية العامة للماء وجّهت دوائرها في بغداد وكربلاء والنجف بالإسراع في إرسال الحوضيّات لتأمين احتياجات أهالي واسط.
وتزامن ذلك مع تفاقم أزمة التلوّث التي أدّت إلى نفوق الأسماك في نهر دجلة وتهديد الحقول والمزارع والبساتين، إذ دعا خبير في شؤون المياه إلى زيادة الإطلاقات من سدّ سامراء للمساعدة في تفتيت الملوّثات جنوبي بغداد، مؤكداً وجود "فوضى" في إدارة واردات السيول تسبّبت في هذا التلوث.
إيقاف المشاريع شمال الكوت
وقال مدير ماء محافظة واسط علي حبيب إن "الدائرة، عبر فروعها في الأقضية والنواحي، تراقب بشدّة البقعة الزيتية والملوّثات الأخرى في نهر دجلة، والتي جاءت عبر تصريف مياه مشروع مجاري الرستمية دفعةً واحدة وبشكل غير محسوب إلى حوض دجلة".
وأضاف: "نظراً لخطورة تلك البقعة والملوّثات المرافقة لها وارتفاع نسبتها، اضطررنا إلى إيقاف مشاريع ومجمّعات مياه الشرب في المناطق الواقعة شمال الكوت حفاظاً على سلامة المواطنين، وسنوقف بقية المشاريع كلّما اقتربت منها المياه الملوّثة".
وأوضح أن "التحاليل المختبرية التي تُجرى بمعدّل كل ساعة أظهرت أن مياه النهر ملوّثة جداً وتشكّل خطراً على حياة الناس، ما دفعنا إلى إيقاف تلك المجمّعات تباعاً، ونأمل إعادة التشغيل بعد مرور البقعة والحصول على نتائج مختبرية مقبولة"، داعياً المواطنين إلى "ترشيد استهلاك المياه في المنازل والمطاعم وسائر الاستخدامات، وخزن أكبر كمية ممكنة لحين انتهاء الأزمة".
تحميل المسؤولية وإرسال الحوضيّات
من جهته، حمّل نائب رئيس مجلس واسط حيدر عجاج الشمري "الجهات التي أطلقت كميات كبيرة من المياه الملوّثة في نهر ديالى، خاصةً في موقع مجاري الرستمية، المسؤولية الكاملة عن الخطر الذي داهم المحافظة".
وأضاف: "طلبنا من المديرية العامة للماء في وزارة البلديات والأشغال العامة تأمين الحوضيّات للمساعدة في توفير مياه الشرب لمواطني واسط، وقد استجاب المدير العام ووجّه بإرسال حوضيّات من دوائر الماء في بغداد وكربلاء والنجف لمعالجة الوضع القائم جرّاء توقّف مشاريع ومجمّعات مياه الشرب".
"فوضى" في إدارة السيول
بدوره، قال الخبير في شؤون المياه علي حسين حاجم إن "فوضى كبيرة في إدارة واردات السيول هي التي تسبّبت في تلوّث مياه نهر دجلة بهذه الطريقة".
وأضاف لـ"المدى" أن "سدّ حمرين يمثّل نموذجاً لهذا التلوّث؛ إذ أسهمت واردات سيول المنطقة الشرقية في تحسين الخزين المائي في سدود دوكان ودربندخان والعظيم، وامتلاء سدّ العظيم في ديالى، في حين لم تُتّخذ إجراءات تشغيلية مناسبة في سدّ حمرين حتى وصل الخزين المائي فيه إلى المنسوب الأقصى".
وأوضح أن "التخبّط في السيطرة على مياه السدّ دفع الجهات المعنية إلى إطلاق كميات كبيرة بشكل مفاجئ إلى نهر ديالى بمعدّل تجاوز 500 م³/ثا، بعد أن كانت الإطلاقات في الأيام السابقة لا تتجاوز 100 م³/ثا".
وتابع أن "الإطلاقات المائية الكبيرة حرّكت الترسّبات في محطات مجاري الرستمية وغيرها من المحطات المترسّبة منذ سنوات في قعر النهر، إضافةً إلى الملوّثات الزيتية وغيرها، ما تسبّب في تلوّث واضح ومخيف بدءاً من نقطة التقاء نهر ديالى بدجلة جنوبي بغداد".
وأكّد حاجم أن "التلوّث سيتجاوز سدّة الكوت باتجاه ميسان، ومحافظة ذي قار عن طريق نهر الغرّاف، مع احتمال وصوله بنسبة أقل إلى البصرة عبر ناظم البدعة"، محذّراً من "احتمال انتقال الملوّثات إلى المواطنين عبر تناول الأسماك النافقة في النهر والأحواض بكميات كبيرة، وهو أمر خطير يستوجب تنبيه المواطنين ومراقبة باعة الأسماك".
ووصف ما يحصل في دجلة حالياً بأنه "أشبه بجريمة قتل جماعي"، مطالباً بـ"مساءلة فورية لجميع الأطراف المتسبّبة، وتشكيل لجنة برلمانية عليا معزّزة بخبراء للتحقيق في الموضوع"، وداعياً رئيس مجلس الوزراء إلى "الإيعاز للمركز الوطني للمياه بإطلاق كميات إضافية عبر سدّ سامراء لتخفيف تركيز الملوّثات في دجلة ودفعها باتجاه الخليج العربي".
شهادات من الميدان
ويقول المواطن أحمد الخضيري من قضاء العزيزية إن "الحديث عن بقعة زيتية غير دقيق؛ فالنهر كلّه ملوّث حالياً بسبب تصريف مجاري مشروع الرستمية وبقية الملوّثات، وهذا التلوّث مستمرّ مع تدفّق المياه على طول النهر، ما أدّى إلى توقّف مشاريع المياه التي ستبقى متوقّفة عدّة أيام".
وأضاف أن "التلوّث أدّى إلى نفوق الأسماك التي باتت تشكّل خطراً كبيراً على حياة المواطنين، خاصةً مع استغلال بعض الباعة للظرف الراهن وبيعها بأسعار زهيدة في ظلّ غياب الرقابة"، لافتاً إلى أن "إيقاف مشاريع الماء وتزايد الطلب على المياه المعدنية دفع بعض أصحاب المحال الجشعين إلى رفع الأسعار، حتى بات الكارتون سعة 60 عبوة صغيرة يُباع بألفي دينار بعد أن كان سعره 1250 ديناراً".
تهديد القطاع الزراعي
وفي ما يخصّ خطر المياه الملوّثة على الزراعة، قال مدير الموارد المائية في واسط كريم حسين سرحان إن "الملاكات الفنية والهندسية في الدائرة استُنفرت بالكامل لمتابعة حوض النهر وحثّ الفلاحين والمزارعين على إيقاف مضخات السقي، تلافياً لتعرّض الحقول والمزارع لخطر الملوّثات، وأغلبها زيوت ومواد كيمياوية خطرة"، مؤكداً "استمرار المتابعة الميدانية لعمود نهر دجلة ضمن المحافظة إلى حين الانتهاء من المعالجات بشكل كامل".
يُذكر أن طول نهر دجلة في محافظة واسط يبلغ نحو 337 كم، إذ يخترقها من الحدود الشمالية في قضاء الصويرة وصولاً إلى جنوب ناحية شيخ سعد (55 كم جنوب شرق الكوت) عند الحدود الإدارية مع محافظة ميسان، ويتفرّع منه عند مقدّم سدّة الكوت نهر الغرّاف الذي يغذّي أجزاء من أراضي ومناطق واسط وذي قار.
The post ملوّثات "الرستمية" تُوقف مشاريع مياه الشرب في واسط وتنفق الأسماك في دجلة appeared first on جريدة المدى.




