... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
109094 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8794 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

ملف عمر حلفي

العالم
هسبريس
2026/04/05 - 18:12 501 مشاهدة

 بين الحقائق ومخاطر السرديات

في القضايا المأساوية، لا يكون أول ما يحتاجه الرأي العام هو زرع الشك، بل ضبط المسافة بين الألم والحقيقة. وهذا ينطبق تماما على ملف عمر حلفي، الذي ما زال يفرض على كل تناول جاد قدرا من التبصر واحترام حساسية الفقد الذي تعيشه أسرته. فمن حق العائلة أن تبحث عن الوضوح الكامل، ومن حقها أن تتشبث بكل سؤال تعتقد أنه يقربها من الحقيقة. لكن من حق عمر أيضا، ومن حق الرأي العام، ألا يتحول هذا الملف إلى مساحة مفتوحة لترويج سرديات جاهزة أو لصناعتها من جديد.

منذ صدور بلاغ الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بشأن واقعة إلقاء عمر حلفي لنفسه من نافذة المكتب بالطابق الرابع داخل مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، أضحت الوقائع الأساسية في هذا الملف مؤطرة بمعطيات قضائية وتقنية وطبية واضحة، لا بمجرد انطباعات أو تأويلات أو سرديات متداولة. فالبلاغ لم يعلن عن خلاصة مجردة، بل بنى نتيجته على بحث قضائي ومعاينات ميدانية وتفريغ كاميرا المراقبة وتشريح طبي وخبرات بيولوجية وتقنية متقاطعة، انتهت كلها إلى انتفاء الشبهة الجرمية في الواقعة. غير أن بعض الأصوات اختارت، رغم ذلك، دفع النقاش بعيدا عن هذا الأساس، من خلال التشكيك والإيحاء وإعادة تركيب الملف داخل سرديات لا تسندها المعطيات المعلنة نفسها.

البلاغ القضائي لم يكتف بإعلان النتيجة، بل عرض المسار الذي تأسست عليه. فقد أوضح أن البحث لم تُنجزه الجهة التي وقع الحادث داخل مقرها، وإنما عُهد به إلى المصلحة الولائية للشرطة القضائية بالدار البيضاء، تعزيزا لضمانات الحياد والاستقلال. كما شمل الاستماع إلى عناصر الشرطة الذين كانوا مكلفين بالبحث مع الهالك، والمعاينات اللازمة من طرف تقنيي مسرح الجريمة، وأخذ العينات الضرورية، بالإضافة إلى تفريغ كاميرا المراقبة الموجودة بفناء المقر. ووفق ما ورد في البلاغ نفسه، فقد خلصت هذه الأبحاث إلى أن عمر حلفي ألقى بنفسه من نافذة المكتب بالطابق الرابع، وأن السقوط تسبب له في إصابات بليغة كانت السبب في الوفاة.

هذا المسار تعزز أيضا بما انتهى إليه تقرير التشريح الطبي الذي أنجزته لجنة طبية ثلاثية من مختصين في الطب الشرعي. فقد أكد التقرير أن الوفاة نتجت عن مضاعفات إصابات وكسور متعددة على مستوى الجمجمة وعظام الوجه والأضلاع والفخذ، مع وجود نزيف سحائي، وأن طبيعة هذه الإصابات تتوافق مع واقعة إلقاء الهالك بجسده من النافذة. كما أظهرت الخبرة المنجزة على عينات الدم ومحتوى المعدة والبول عدم وجود أي مواد كيميائية أو حيوية خارجة عن الجسم، فيما انتهت الخبرة العلمية والتقنية المتعلقة بالأغراض والآثار البيولوجية بمكان السقوط إلى وجود نمط وراثي واحد يخص الهالك فقط، دون رصد أي نمط لغيره. وهذه المعطيات، سواء اتفق معها البعض أو تحفظ عليها، تظل إلى حدود الآن هي الأرضية التوثيقية للحقيقة داخل الملف.

ورغم ذلك، عاد الجدل إلى الواجهة بعد تدوينة لمحامي الأسرة، رشيد آيت بلعربي، أوحت بوجود تناقض بين البلاغ القضائي وبين ما ورد في محضر تفريغ الكاميرات. وهنا بالضبط تظهر الحاجة إلى قدر أكبر من الدقة. لأن النقاش لم يعد يدور فقط حول الوقائع، بل حول الطريقة التي تُصاغ بها هذه الوقائع للرأي العام. فالبلاغ القضائي كان واضحا حين تحدث عن تفريغ كاميرا المراقبة الموجودة بفناء المقر وربط ذلك بما خلصت إليه الأبحاث بشأن واقعة السقوط. أما تحويل النقاش إلى سؤال آخر عن غياب مزعوم لفيديو لحظة القفز من داخل المكتب، فيمكن اعتباره اصطناعا لنقاش يراد به إبعاد الانتباه عن النقطة الحاسمة وهي أن البلاغ أكد أن السقوط موثق وأنه شكل أحد أسس الخلاصة النهائية، ولا يكفي وحده )أي النقاش المصطنع( لإبطال الخلاصة التي تأسست على أكثر من عنصر إثبات.

ومن هنا يصبح من المشروع طرح سؤال آخر لا يقل أهمية عن مضمون الملف نفسه، وهو سؤال المنهج. فإذا كانت هناك ملاحظات قانونية أو اعتراضات أو طلبات اطلاع أو طعون ممكنة، فإن مكانها الطبيعي هو المؤسسات المختصة والمساطر التي يتيحها القانون. وهذا ليس انتقاصا من حق الأسرة أو دفاعها، بل بالعكس تأكيد على أن البحث عن الحقيقة في الملفات الحساسة يكتسب وزنه حين يُدار بالأدوات القانونية الواضحة، لا حين يُنقل إلى الفضاء الرقمي بصياغات توحي بوجود معطيات حاسمة دون أن تُختبر داخل مسار قانوني معلن. فالترافع شيء، وبناء مناخ تشكيك عمومي شيء آخر.

هذه الملاحظة لا تستهدف شخص المحامي بقدر ما تتصل بطبيعة الدور نفسه. فالمحامي، بحكم موقعه، ليس مجرد صوت معلق على حدث عام، بل فاعل مهني داخل منظومة العدالة، ووسيلته الأصلية هي الطلب والمذكرة والطعن والدفوع القانونية. لذلك، حين يُدار جزء من النقاش في الفضاء العمومي بلغة تحتمل الإيحاء أكثر مما تقدم عناصر جديدة، يصبح من الطبيعي أن يطرح السؤال حول ما إذا كان الهدف هو تقريب الملف من الحقيقة، أم دفعه إلى مزيد من الاستقطاب والتأويل.

وهنا تظهر أيضا خطورة بعض أشكال الترويج الإعلامي التي تعاملت مع الملف بمنطق الإثارة أكثر من منطق التحرير المسؤول. لأن ما وقع في بعض المعالجات ليس مجرد نقل محايد لتصريحات أو مواقف، بل إعادة بناء للملف داخل قالب يوحي بوجود كشف جديد أو تناقض حاسم، بينما الأمر يتعلق في جوهره بقراءة معينة لمعطيات سبق أن قُدمت داخل بلاغ قضائي مفصل. وعندما يُستعمل هذا الأسلوب في قضية تمس أسرة مفجوعة ورأيا عاما متوترا، فإن الخطر لا يقتصر على تضخيم الشك، بل يمتد إلى إبعاد النقاش عن غايته الأصلية، أي الوصول إلى الحقيقة لا المتاجرة بها.

ومن بين أكثر مظاهر هذا الانزياح وضوحا، محاولة إسقاط قضية ياسين الشبلي على قضية عمر حلفي، وكأن مجرد وجود سابقة مؤلمة داخل فضاء أمني يكفي لاستنتاج النتيجة نفسها هنا. غير أن هذا القياس لا يصمد كثيرا أمام الوقائع نفسها. ففي ملف ياسين الشبلي، لم تُدفن القضية ولم تُطو من دون مساءلة ولم يكن هناك تواطؤ أو تستر، بل قادت الأبحاث ومراجعة التسجيلات إلى مساءلة المتورطين وإصدار أحكام بالإدانة، من بينها إدانة ضابط شرطة بخمس سنوات حبسا نافذا، ثم صدور أحكام أخرى في حق عناصر أمنيين آخرين. ومعنى ذلك أن هذه السابقة، بدل أن تدعم منطق الشك التلقائي، تؤكد أن المسار القضائي حين يثبت عنصرا جرميا ينتهي إلى المتابعة والمحاسبة.

ولهذا، فإن استدعاء ملف الشبلي لتوجيه الخلاصة سلفا في قضية عمر حلفي لا يخدم الحقيقة، بل يخلط بين ملفين مختلفين في الوقائع والنتائج. فإذا كانت التسجيلات والمعاينات والخبرات في ملف الشبلي قد أسست للمساءلة القضائية والإدانة، فإن التسجيلات والمعاينات والخبرات في ملف عمر انتهت، وفق البلاغ الرسمي، إلى نفي الشبهة الجرمية وإلى حفظ المسطرة. والجامع بين الملفين ليس وجود نمط واحد جاهز، بل وجود قاعدة واحدة يفترض احترامها، وهي أن كل قضية تُقرأ من داخل عناصرها هي، لا من داخل الرغبة في تطويعها لتشبه قضية أخرى.

إن الوفاء لعمر حلفي لا يكون بإعادة تدوير كل ما يرفع منسوب الشك، ولا بالتسرع في تبني أكثر السرديات إثارة. الوفاء له يبدأ من الحرص على أن تُقرأ قضيته كما هي، لا كما تريد بعض الجهات أن تُستثمر. والإنصاف لأسرته لا يكون بتغذية الانفعال على حساب المعطيات، بل بحماية الملف من كل توظيف قد يحوله من بحث مؤلم عن الحقيقة إلى مادة جاهزة للاستثمار الإعلامي أو الرمزي.

لهذا، فإن النقاش الجدي والمسؤول حول قضية عمر حلفي لا ينبغي أن ينطلق من الاصطفاف، ولا من الرغبة في تبرئة أحد أو اتهام أحد خارج ما تقوله الوثائق، بل من نقطة أبسط وأعمق في الوقت نفسه، وهي أن الحقيقة ليست ما يعلو صوته أكثر، بل ما يثبت أكثر. وإلى حدود الآن، تظل المعطيات المعلنة في بلاغ الوكيل العام للملك، بما تتضمنه من بحث قضائي ومعاينات وخبرات طبية وتقنية وبيولوجية، هي الأساس الأكثر تماسكا في هذا الملف. وكل مقاربة تحترم عمر وأسرته والرأي العام، يفترض أن تبدأ من هناك، لا أن تلتف على ذلك عبر الإيحاء والتشكيك وصناعة سرديات تبحث عن أثرها الإعلامي أكثر مما تبحث عن الحقيقة نفسها.

 -مدون وباحث مغربي مهتم بالشؤون السياسية والأمنية

The post ملف عمر حلفي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤