لم تكن ساحة بلدة بدنايل - غربي بعلبك مجرد مساحة جغرافية تحتضن حدثاً عابراً، بل تحوّلت إلى شريان يعجّ بالحياة والألوان مع افتتاح المعرض الترفيهي التجاري الأول من نوعه، بالتعاون بين البلدية ونادي "المشعل" الرياضي، والجمعيات الكشفية والأهلية.
ما إن تطأ قدمك المكان حتى تستقبلك ضحكات الأطفال، وروائح الأطعمة والمأكولات المحلية، وصحوة الأمل في عيون الأهالي الذين احتشدوا ليقولوا بلسان واحد: "مهما حاولوا أن يقتلوا الأمل، فإن اليأس غير موجود في بلداتنا".

حركة تتحدى الركود وتدعم الشباب
بين الأكشاك والمعارض المُشيّدة، تتجول العين لتلمس سوقاً اقتصادياً نابضاً بابتكارات الشباب وطاقات المؤسسات الصغيرة والناشئة. هنا شاب يعرض منتجه المحلي بكل فخر، وهناك صغار يقفون خلف منصاتهم بأفكار نيّرة؛ تقول إحدى المشاركات زينة علي حسن وهي تتفقد معروضاتها: "أُتيحت الفرص للشباب وأصحاب المشاريع لكي يبرزوا أعمالهم، لقد مَنَحنا هذا المهرجان مساحة تنموية لنعرض ما صنعناه للعالم".
فيما يضيف مشارك آخر علي الزهر بابتسامة تفاؤل: "هذه مشاركتنا الثانية في المهرجان، وكانت النتيجة مرضية جداً في ظل إقبال كبير من الناس، على الرغم من أننا ننهض جميعاً من وضع صعب اقتصادياً واجتماعياً".
تتحرك العجلة الاقتصادية هنا لتشجع الإنفاق الداخلي وتخلق فرص عمل جادة؛ فحركة البيع والشراء لا تهدف للتسلية فحسب، بل لتثبيت أبناء البلدة في أرضهم عبر دعم أعمالهم الخاصة وإنعاش الدورة المالية للمنطقة بأكملها.

رؤية بلدية تنموية استثمار "الحجر والبشر"
هذا البُعد الاقتصادي الشامل يُشكل جوهر الخطة التي تعمل عليها البلدية، حيث يوضح رئيس بلدية بدنايل الاستاذ حسين أحمد الحاج سليمان في حديثه لـ"النهار" أن المجلس البلدي وضع منذ انطلاقته دعم المبادرات الشبابية، والجمعيات الكشفية، ونادي "المشعل" في صدارة أولوياته، معتمداً منهج التلاقي لجمع الأهالي على المحبة والخير، إيماناً بأن المجتمعات الحية متى تكاتفت ملكت القدرة على النهوض بذاتها.
ويستذكر الحاج سليمان مسار هذا الحدث الذي بدأ العام الماضي بماراثون وبدايات متواضعة، قبل أن يزهر هذا العام معرضاً جامعاً وسط إقبال لافت، مؤكداً أن الفعالية ليست حدثاً ترفيهياً عابراً، بل خطوة نحو ترسيم هوية اقتصادية وسياحية متكاملة للبلدة والمنطقة.
ويشدد على أنه رغم جراح الحرب وتحدياتها، إلا أنها فرضت التزاماً بإعادة توجيه الواقع الاقتصادي والاجتماعي، داعياً الأهالي لتشجيع الإنفاق الداخلي ودعم الإنتاج المحلي لتثبيت الشباب في أرضهم، ومشيراً إلى أن الخطط المستقبلية ستتسع لقطاعي الزراعة والصناعة ضمن استراتيجية تضع بناء "الحجر والبشر" في مقدمة الأولويات.
وفاء للإرث وإصرار على الحياة
تستمر أزقة المهرجان بالنبض؛ فالتكريم الذي شهده الحدث استعاد ستين عاماً من عطاء نادي "المشعل" الرياضي، واعتبر رئيس النادي أحمد سليمان أن هذا التكريم يُبرز النادي كـ"بيت يجمع أبناء بدنايل جميعاً"، مستذكراً المؤسسين الأوائل والهيئات المتعاقبة.
وعلى وقع الموسيقى والأنشطة الرياضية الثقافية، وفي أجواء التنافس الودي الذي أضفته " بطولة الزهر " التي استقطبت المتبارين والمشجعين على حد سواء، يختصر أحد المشاركين حسين يزبك روح المهرجان "نحن شعبٌ حيٌّ يُصرّ على الحياة ويصنع الأمل وسط التحديات، حيث شكّل المهرجان محطة جامعة لتبادل الخبرات ومدّ جسور التعاون والتضامن بين بلدة بدنايل ومحيطها في قضاء بعلبك".
تغادر بدنايل وفي أذنيك أصداء الباعة والمحتفلين وقرقعة أحجار الزهر بين أيدي المتنافسين، متيقناً أن المهرجان لم يكن مجرد معروضات تجارية، بل كان إعلان صمود اقتصادي متكامل، حيث تحولت كل سلعة تُباع وكل ابتسامة تُهدى إلى خطوة ثابتة نحو المستقبل.




