محمد مطلب المجالي : فزعة غرابيل على بوابة الصحافة
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
ليست الصحافة مقعدًا شاغرًا يجلس عليه كل عابر طريق، ولا لقبًا يُمنح لمن يملك هاتفًا وحسابًا على وسائل التواصل. فالصحافة رسالة ومسؤولية، تحتاج إلى ثقافة ومعرفة وقلمٍ يزن الكلمة قبل أن يطلقها.
لكننا اليوم نشهد اقتحامًا واسعًا لبوابة الصحافة من أناس يفتقرون إلى أبسط مقوماتها، فلا ثقافة تؤهلهم، ولا لغة تسندهم، ولا مهنية تضبط أداءهم. فأصبحت المهنة عند البعض ملاذًا لمن لا مهنة له، ومجالًا مفتوحًا للباحثين عن الظهور السريع والألقاب الرنانة.والمؤسف أن بعض هؤلاء يسيئون إلى الصحافة أكثر مما يخدمونها، فيخلطون بين الرأي والخبر، وبين النقد والتجريح، وبين الحرية والفوضى، حتى بات المتلقي حائرًا بين صحفي حقيقي يحمل رسالة، وآخر لا يحمل سوى بطاقة تعريف وادعاءات كبيرة.
وأصبح من السهل أن يستيقظ المرء صباحًا فيقرر أنه صحفي، فينشئ صفحة أو موقعًا متواضعًا، ويبدأ بتوزيع الألقاب على نفسه، ثم ينطلق بين المناسبات والاحتفالات يلتقط الصور ويجمع المجاملات، معتقدًا أن الصحافة لا تتجاوز ذلك.
والمشكلة ليست في الأشخاص وحدهم، بل في حالة التسيب التي جعلت المهنة مستباحة لكل من أراد الدخول إليها. فاختلط الصحفي الحقيقي الذي أفنى سنوات عمره في التعلم والخبرة، بمن لا يفرق بين المقال والخاطرة، ولا بين التحقيق الصحفي والمنشور العابر.لقد تحولت بعض المنصات إلى ساحات للفوضى، تُنشر فيها الأخبار بلا تدقيق، وتُطلق الاتهامات بلا دليل، وتُصنع البطولات الوهمية على حساب المصداقية والمهنية. أما الضحية فهي الحقيقة أولًا، ثم القارئ الذي يبحث عن معلومة موثوقة فلا يجد أمامه إلا خليطًا من الاجتهادات والأخطاء والاستعراض.
والأشد مرارة أن بعض هؤلاء يتعامل مع الصحافة باعتبارها وسيلة للمنفعة الشخصية، فيمدح من يمنحه الامتيازات، ويهاجم من لا يحقق له المصالح، فتضيع الرسالة وتبقى المصالح هي العنوان.
إن الصحافة ليست "فزعة غرابيل"، وليست تجمعًا عابرًا لمن يبحث عن دور أو لقب. إنها علم وثقافة ومسؤولية وأخلاق، ومن لا يملك هذه المقومات سيبقى مهما كثرت ألقابه بعيدًا عن جوهر المهنة وحقيقتها.
فالصحفي لا يصنعه هاتف محمول، ولا بطاقة تعريف، ولا صورة مع مسؤول، بل تصنعه المعرفة، ويصقله الصدق، وتحفظ مكانته المهنية أمام الناس.
وليس كل من كتب يُقال له صحفي، كما أنه ليس كل من خطّ كلماتٍ يُصنَّف كاتبًا. فبين الكتابة والاحتراف مسافة طويلة لا يقطعها إلا العلم والتجربة والموهبة والالتزام. فالكلمة ليست حروفًا تُرصّ، بل مسؤولية تُحمل، وأثرٌ يبقى بعد أن يطوي الناس الصفحة.
وكما يُضرب المثل بصبر أيوب في التحمل، فليس كل من ادّعى الصبر بلغ منزلته، ولا كل من تظاهر بالحكمة امتلكها. فالمعاني لا تُستعار، والصفات لا تُكتسب بالشعارات، بل تُبنى بالمواقف والاختبار الحقيقي للحياة.
كذلك هي الصحافة والكتابة؛ لا تمنح ألقابها لكل من اقترب منها، ولا تفتح أبوابها لكل من ظن أن السهولة طريقها. هي ميدان يفرز الجاد من المدّعي، والصادق من المتكسب، وصاحب الرسالة من الباحث عن الظهور.
فالكلمة الصادقة لا تحتاج إعلانًا، والصحفي الحقيقي لا يصرخ بلقبه، بل تثبته ممارسته، ويمنحه له الناس قبل المنصات.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.




