بات تقديم التعازي على القبور حصريًا أمرًا سائدًا وموضع احترام واهتمام، وننتظر الدعم ليكون تقديم التعازي على القبور هو الأصل. لم يعد من تمام «غلاوة الفقيد» ولا من أركان الترحم عليه، إظهار أقصى القدرات المالية؛ وذلك بتقديم المناسف والتمور، ونصب الصواوين، ورصف المقاعد الوثيرة، وفرش السجاد، وتركيب الإضاءة والمكيفات والمدافئ. فقد أصبح المواطن أكثر جرأة على كسر التقاليد والعادات المشوبة أحيانًا بالمبالغة والمباهاة والإسراف المنهي عنه والمفاخرة. وفي هذا المسار، نقدر الخطوة المهمة إلى الأمام المتمثلة في تحديد العزاء بيومين لا بثلاثة أيام، فالظروف الاقتصادية تملي عاداتِها، وسلوكَها، ولباسَها، وطعامَها، وأخلاقَها، وإِنْفَاقَها. ويعرف الكافة أن بعض أهل المتوفين يضطرون إلى الاقتراض لتغطية نفقات الدفن وكلف العزاء الباهظة؛ إذ نعرف من لا يزال يسدد أقساط قرض تكاليف العزاء منذ سنين. أصبح المواطنون المكلومون يتقبلون التعزية عبر الهاتف ومنصات التواصل الاجتماعي، كما أصبح ذوو المتوفى يناشدون أصدقاءهم من سكان المناطق البعيدة أن يكتفوا بالتعزية الهاتفية وألا يتجشموا عناء السفر. نحتاج إلى المزيد من المبادرات الطيبة المترفقة بأهل الميت، خاصة حين تكون المسافات كبيرة بين «بيت الأجر» وسكن المعزّين. قال ابن قدامة في المغني: «فَأَمَّا صُنْعُ أَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا لِلنَّاسِ، فَمَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى مُصِيبَتِهِمْ، وَشُغْلًا لَهُمْ إلَى شغلهم». والقول بالكراهة هو الذي عليه مذاهب الأئمة الأربعة، بل ذهب بعض العلماء إلى التحريم. إن تقديم الطعام للمعزّين القادمين من خارج المنطقة، أو للمعزين من أهل المنطقة، سواءٌ من أهل المرحوم أو من غيرهم، لا مبرر له ولا وجوب؛ فإذا كان مسوغًا في الماضي لندرة المطاعم، فلا مسوغ له اليوم بعدما انتشرت المطاعم في كل أرجاء البلاد.



