محمد بن زاهر العبري يكتب: مسرحية المفاوضات الكبرى
محمد بن زاهر العبري
في عالمٍ يُفترض أن تُدار فيه الأزمات بحكمةٍ ومسؤولية، تتحول المفاوضات بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران إلى ما يشبه المسرحية السياسية، حيث تُرفع الشعارات على المنصات، بينما تُدار الحقيقة خلف الكواليس بمنطق القوة لا بمنطق السلام.
المشهد لم يعد خافيًا على أحد؛ تصريحات متناقضة، رسائل مزدوجة، وضغوط تُمارس تحت الطاولة أكثر مما تُناقش فوقها. ما يُقال في الإعلام شيء، وما يُفعل على أرض الواقع شيء آخر تمامًا. هذا التناقض لم يضعف فقط ثقة الشعوب، بل كشف هشاشة ما يُسمّى بالالتزام الدولي تجاه الاستقرار.
تعتمد الولايات المتحدة على سياسة العصا والجزرة، لكنها في كثير من الأحيان تميل إلى العصا أكثر من أي شيء آخر. عقوبات اقتصادية تُرهق الشعوب قبل الأنظمة، وضغوط سياسية تُغلف بخطاب دبلوماسي ناعم، لكنها تحمل في جوهرها رسائل قاسية لا تعكس نية حقيقية للوصول إلى حل متوازن.
أما إسرائيل، فتتعامل مع الملف الإيراني بمنظور أمني صرف، تُضخم التهديدات وتدفع نحو التصعيد، وكأن المنطقة تحتمل المزيد من التوتر. هذا النهج لا يسهم في تهدئة الأوضاع، بل يزيدها تعقيدًا، ويضع المنطقة على حافة انفجار دائم.
في المقابل، تجد إيران نفسها بين خيارين أحلاهما مر: إما القبول بشروط تُفرض عليها تحت الضغط، أو الاستمرار في مواجهة منظومة دولية تستخدم كل أدواتها لفرض واقع جديد. وبين هذا وذاك، تضيع فرص الحل الحقيقي.
الأكثر إثارة للقلق هو غياب الدور الفاعل لما يُعرف بالمجتمع المدني، الذي يفترض أن يكون صوتًا للحق والعدالة. إلا أن هذا الصوت بات خافتًا، أو انتقائيًا في أحسن الأحوال، يظهر حين يخدم السردية السائدة، ويختفي حين تتطلب المواقف شجاعة حقيقية.
الحقيقة المؤلمة أن هذه “المسرحية” لا يدفع ثمنها الساسة، بل الشعوب. شعوبٌ تُرهقها الأزمات الاقتصادية، وتُثقل كاهلها التوترات المستمرة، بينما تُدار ملفاتها كأوراق تفاوض لا أكثر.
إن استمرار هذا النهج لا يعني إلا شيئًا واحدًا: إطالة أمد الأزمة، وتعميق فجوة الثقة، وإبقاء المنطقة رهينة حسابات لا علاقة لها بالسلام الحقيقي. فالمفاوضات التي تُبنى على الاستهتار، لا يمكن أن تُنتج استقرارًا، بل تُكرّس واقعًا هشًا قابلًا للانهيار في أي لحظة.
وفي النهاية، تبقى الرسالة واضحة: السلام لا يُصنع في الكواليس المظلمة، ولا يُفرض بالقوة، بل يحتاج إلى إرادة صادقة، واحترام متبادل، ونهجٍ يضع مصلحة الشعوب فوق حسابات السياسة الضيقة. وما لم يتغير هذا النهج، ستبقى “مسرحية المفاوضات الكبرى” مستمرة… والجمهور هو من يدفع الثمن.





