محمد بن عيسى البلوشي يكتب: بعد أن تضع الحرب أوزارها
محمد بن عيسى البلوشي – مستشار اعلامي مختص في الشأن الاقتصادي
بينما تقف المنطقة على أعتاب مرحلة تاريخية فاصلة، يرتفع في الأفق سؤال محوري يتردد صداه في أروقة مراكز الدراسات وبين صناع القرار: أيُّ وجهٍ ستطل به الدول حين تنقشع سحب الدخان وتضع الحرب أوزارها؟؛ فالرهان اليوم لا يتوقف عند حدود وقف إطلاق النار، بل يمتد إلى قدرة العقل السياسي على استيلاد “رؤية” من رحم “الغبار”، وتجاوز صدمة الواقع نحو استشراف استراتيجي يُعيد ترتيب البيت الداخلي ويُحصن المكتسبات.
أولى ملامح المرحلة القادمة تتبدى في صياغة سيناريوهات “العبور الآمن”؛ فالهدنة، في العرف السياسي، ليست إلا فرصة لالتقاط الأنفاس، لكن التحدي الحقيقي يكمن في “ترميم الجسور” المتصدعة؛ ويتطلب هذا المسار دبلوماسية مرنة قادرة على تحويل السلام من حالة “سكون عسكري” مؤقت إلى “سلام مستدام” يُبنى على المصالح المشتركة والضمانات المتبادلة؛ فالحكمة تقتضي اليوم نبذ منطق الصراعات الصفرية والبحث عن مساحات تلاقٍ تُعلي من شأن الاستقرار كشرط أساسي للتنمية.
لقد كشفت الأزمة الراهنة عورات الاعتماد على المسارات الأحادية، وأثبتت أن “الأمن الاقتصادي” هو الرديف الحقيقي للأمن القومي؛ لذا يبرز “التكامل” كحتمية لا خياراً ترفيهياً، مما يستوجب تشكيل كتلة اقتصادية متينة قادرة على تنويع الممرات اللوجستية، لضمان تدفق السلع والطاقة بعيداً عن بؤر التوتر الجيوسياسي، وتأمين سلاسل الإمداد عبر استثمارات بينية عابرة للحدود.
وهنا، تلوح في الأفق فرص استراتيجية لتعزيز مستقبل الأمن الاقتصادي على المستويين المحلي والخليجي؛ فقد أظهرت الحالة الراهنة الأهمية القصوى للتحرر من قيود المضايق والممرات المائية الضيقة، والتوجه نحو “المياه المفتوحة” لضمان سلاسة الصادرات والواردات، وهو ما يتجسد بوضوح في المقومات التي يمنحها بحر العرب؛ فهذا الموقع الاستراتيجي ليس مجرد جغرافيا، بل هو شريان حياة يتطلب استثماراً عاجلاً يؤمن المصالح العليا بعيداً عن تقلبات الممرات التقليدية.
وتتجلى الأهمية الاستراتيجية لسلطنة عُمان كحجر زاوية في هيكل التكامل الاقتصادي الخليجي، مستمدةً قيمتها من موقعها الجيوسياسي الفريد المطل على ممرات الملاحة الدولية الحاكمة؛ وتمثل البوابة الجنوبية والشرقية لمنظومة دول مجلس التعاون، مما يؤهلها لتكون صمام أمان لسلاسل الإمداد العالمية بعيداً عن مضائق التوتر، ومحركاً حيوياً لتدفقات الاستثمار الأجنبي وتوطين الصناعات التحويلية، بما يخدم استراتيجيات التنوع الاقتصادي المشترك.
وتتجاوز رؤية عُمان مجرد الجغرافيا؛ فهي تطرح نموذجاً للدولة العقلانية والمنفتحة التي تتبنى “الحياد النشط” كمنهجية سياسية واقتصادية لتعزيز الاستقرار الإقليمي؛ وهذا النضج السياسي يجعلها الملاذ الأكثر أماناً في ظل إعادة تشكل خارطة التجارة العالمية، حيث توفر بيئة استثمارية تتسم بالموثوقية والاستدامة.
وتبرز المكتسبات الوطنية العمانية كأدوات تنفيذية لهذا التكامل، ومنهامنطقة الدقم الاقتصادية التي تُعد عملاقاً صناعيًا ولوجستيًا يربط بين الشرق والغرب؛ وأيضا ميناء صُحار وصناعاته الذي يشكل مركزا عالميا للخدمات اللوجستية والتصنيع الثقيل.
إن استثمار سلطنة عمان في موانئها العميقة وبنيتها اللوجستية المتطورة لا يعزز فحسب رسالتها التنموية، بل يقدمها كشريك استراتيجي لا غنى عنه في صياغة مستقبل اقتصادي خليجي صلب وقادر على مواجهة المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة.
تضعنا هذه المعطيات أمام مسؤولية تاريخية للاستثمار في “طاولة البيت الواحد”، والذهاب نحو تفعيل فكرة التكامل الاقتصادي بشكل عاجل، انطلاقاً من مبدأ “البنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضاً”؛ فالهدف هو بناء “كتلة اقتصادية حرجة” قادرة على امتصاص الصدمات العالمية وفرض شروطها في سوق السياسة الدولية؛ ففي لغة الاقتصاد، الأزمة هي “فرصة مستترة”، والدول الذكية هي التي تحول “مرحلة التعافي” إلى سوق واعدة للاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة، ليصبح إعادة الإعمار محركاً لنمو طويل الأمد.
ولعل الدرس الأثمن في مدرسة “الأزمات المعاصرة” هو إدراك أن التحالفات الدولية ليست قدراً سرمداً، بل هي معادلات متغيرة يحكمها منطق الربح والخسارة؛ فالقاعدة الذهبية التي يجب أن تحكم المشهد الخليجي هي أن “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”، وهي رؤية تفرض تبني “براغماتية أخلاقية” تضع المصالح الوطنية العليا فوق كل اعتبار، وتناور بذكاء في حقل الألغام الدولي.
وهنا نؤكد أنه عندما تسكن الريح، لن يكون لقاء الأشقاء مجرد عناق عاطفي، بل سيكون تحالفاً “عقلانياً” صهرته التجارب المريرة وسنخبر الأجيال القادمة أن “اختبار الصبر” كان هو المنطلق لبناء منظومة أكثر صلابة وأنفذ بصيرة، إيماناً بأن التكامل هو الدرع الوحيد في وجه العواصف فالمستقبل لا ينتظر المترددين، ومن يصيغ شروط السلام بقوة الاقتصاد، يمتلك وحده حق كتابة التاريخ.





