تلفت الدراسة التي أصدرها معهد السياسة والمجتمع أخيراً عن العلاقات الأردنية - الهندية، بعنوان «الأردن والهند في نظام إقليمي متغير»، الانتباه إلى ما هو أبعد من موضوعها المباشر، فهي، وإن كانت تبحث في مسار العلاقة بين عمّان ونيودلهي وفرص تطويرها، فإنّها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً أكبر: إلى أي مدى نستفيد فعلاً من المعرفة والخبرة والبحث العلمي في رسم سياساتنا الخارجية والاقتصادية؟. تبدأ أهمية الدراسة من اللحظة الدولية التي نعيشها، فالهند لم تعد بالنسبة إلى الأردن دولة آسيوية بعيدة أو سوقاً كبيرة فحسب؛ لأننا أمام قوة دولية صاعدة، اقتصادياً وتكنولوجياً وسياسياً، تحاول توسيع حضورها في الشرق الأوسط، فيما يبحث الأردن، بدوره، عن تنويع شراكاته الاقتصادية والاستراتيجية، وعن موقع أفضل في التحولات الجارية في التجارة الدولية وسلاسل التوريد والممرات الاقتصادية الجديدة. ومن هنا تكتسب العلاقة بين البلدين معنى يتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية. تلتقط الدراسة هذه التحولات، وتضع العلاقة في سياق أوسع؛ من الفوسفات والبوتاس والأمن الغذائي، إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتعليم، ومن التعاون الأمني والدفاعي إلى السياحة والثقافة والعمالة، وصولاً إلى موقع الأردن المحتمل في الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، مما يعكس تعدد المصالح الممكنة، لكنها تكشف، في الوقت نفسه، عن الفجوة بين الإمكانات المتاحة وبين القدرة على تحويلها إلى مشاريع وسياسات فعلية. لعل هذه هي الخلاصة الأهم؛ بأنّ المشكلة ليست دائماً في غياب الاتفاقيات أو الزيارات أو الإرادة السياسية، بل في الحلقة الواقعة بين الفكرة والتنفيذ. الدراسة تشير، مثلاً، إلى الحاجة إلى الانتقال من تصدير المواد الخام إلى الصناعات ذات القيمة المضافة، وإلى اشتراط نقل التكنولوجيا في الاستثمارات الجديدة، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتسهيل إجراءات المستثمرين، وبناء قاعدة معرفية أردنية متخصصة في الهند وآسيا. وهي توصيات تنقل النقاش من سؤال: كيف نحسن العلاقات؟ إلى سؤال أكثر دقة: ماذا نريد من هذه العلاقات، وفي أي قطاعات، وبأي أدوات، ووفق أي أولويات؟. في هذا السياق تتبدّى أهمية مراكز التفكير والبحث، وما يعرف في العلاقات الدولية بـالمسار الثاني (Track II)، فالدبلوماسية الرسمية ضرورية، لكنها ليست وحدها القادرة على استكشاف كل الفرص أو اختبار السيناريوهات والبدائل، في المقابل تقدر مراكز الدراسات والجامعات على توفير المساحة التي يلتقي فيها الدبلوماسي بالاقتصادي ورجل الأعمال والباحث والخبير التقني، وأن تحول المعلومات المتفرقة إلى خيارات سياسات محددة يمكن لصانع القرار المفاضلة بينها. فوق هذا وذاك فإنّ الجامعات الأردنية تمتلك رصيدا كبيرا من رسائل الماجستير والدكتوراه والأبحاث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية والاقتصاد والتاريخ، يمكن أن يشكل مراجع مهمة ورئيسية في عملية صنع القرار والسياسات، لكن- للآسف- فإنّ قسماً مهماً منه يبقى داخل المكتبات وقواعد البيانات، بينما تستطيع مؤسسات الدولة الإفادة منه في فهم الدول والأسواق والتحولات السياسية والاجتماعية التي تتعامل معها. ربما تكون إحدى النتائج التي ينبغي البناء عليها هي مأسسة العلاقة بين المعرفة وصنع القرار؛ ليس بين وزارة الخارجية ومراكز التفكير والجامعات فقط، وإنما أيضاً بين وزارات التخطيط والصناعة والتجارة والعمل، وغرف الصناعة والتجارة ومؤسسات الاستثمار، وبين مجتمع الباحثين والخبراء. ويمكن أن يأخذ ذلك صورة لقاءات دورية، ومختبرات سياسات، وموجزات سياسات قصيرة، وقواعد بيانات للخبراء والدراسات، وفرق بحثية مرتبطة بالملفات ذات الأولوية. في عالم تتغير فيه التحالفات والأسواق والتكنولوجيا بسرعة هائلة، لم تعد السياسة الخارجية الناجحة تُبنى على الانطباعات أو ردود الفعل وحدها. إنها، بصورة متزايدة، عملية معرفة: جمع للمعلومات، وتحليل للبيئة، وبناء للسيناريوهات، وقياس للمصالح والمخاطر، ثم تحويل ذلك كله إلى بدائل وقرارات، ومن هذه الزاوية، فإن قيمة دراسة العلاقات الأردنية - الهندية لا تكمن فقط فيما تقوله عن الهند، بل في النموذج الذي تقدمه لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين البحث العلمي وصناعة السياسة في الأردن.





