واصفة تلك الليلة بـ"يوم القيامة"، طالبت السورية تغريد مكي، التي فقدت طفليها وأكثر من 12 من أقاربها في هجوم بالأسلحة الكيميائية شنه نظام بشار الأسد المخلوع على الغوطة بريف دمشق عام 2013، بمحاسبة المسؤولين عن المجزرة، وعدم السماح بإنكارها أو نسيان ضحاياها.
وتأتي مطالبة مكي في الذكرى الـ13 للهجوم، بالتزامن مع تأكيد مسؤولين سوريين، الجمعة، مواصلة ملاحقة المتورطين في استخدام الأسلحة الكيميائية وتحقيق العدالة للضحايا والناجين، باعتبار ذلك جزءا من مسار العدالة الانتقالية في البلاد.
وفي 21 أغسطس/ آب 2013، تعرضت مناطق في الغوطة بريف دمشق لهجوم بغاز السارين أسفر، عن مقتل أكثر من 1400 مدني، بينهم مئات النساء والأطفال.
وفي حديثها للأناضول، استعادت مكي تفاصيل تلك الليلة التي تصفها بـ"يوم القيامة"، وما عاشته عائلتها من عجز في ظل القصف والحصار ونقص الإمكانات الطبية.
*"حاولت حماية أطفالي"
قالت مكي إنها كانت في منزلها مع أطفالها ليلة الهجوم، فيما كان القصف المكثف مستمرا بالتزامن مع انتشار الغاز، مشيرة إلى أنها سمعت للمرة الأولى آنذاك مصطلحي "الغاز الكيميائي" و"غاز السارين".
وروت محاولاتها حماية أطفالها قائلة: "حاولت حماية أطفالي، أعددت الماء والخل ووضعت الكمادات، حاولنا تقديم الإسعافات الأولية التي كنا قادرين عليها، لم يكن هناك شيء آخر يمكننا فعله، ولم يبق أمامنا سوى اللجوء إلى الله".
وفقدت مكي في الهجوم طفليها وأكثر من 12 شخصا من أقاربها، فيما بقيت تفاصيل تلك الليلة عالقة في ذاكرتها بعد 13 عاما.
*"يوم القيامة"
وشبهت مكي المشاهد التي رأتها في الطرقات بعد الهجوم بـ"يوم القيامة".
وقالت: "تأثر بالغاز الكيميائي الناس والحيوانات، وحتى الحجارة والأشجار، كانت هناك جثث أشخاص وحيوانات ملقاة على الطرقات".
وأوضحت أن الحصار المفروض على المنطقة آنذاك تسبب في نقص الوقود، ما جعل نقل المصابين إلى المستشفيات بالغ الصعوبة.
وأضافت: "كان بعض الناس يحاولون نقل المصابين بالدراجات الهوائية، بينما كان آخرون ينقلونهم بالدراجات النارية، كان إيصال المتضررين من الغاز الكيميائي إلى المستشفيات صعبا للغاية".
*وجوه يصعب التعرف إليها
وقالت مكي إنها توجهت إلى المستشفى بحثا عن شقيقة زوجها وابن شقيقه، وتولت البحث بنفسها لعدم السماح للرجال بدخول القسم المخصص للنساء.
وأضافت: "لم تكن لدي كمامة، فسحبت غطاء رأسي على وجهي وحاولت ألا أستنشق الغاز".
وتابعت: "لكنني تعرضت للغاز بكثافة بسبب مواصلتي البحث فترة طويلة، وبدأت أشعر بحرقة وحكة في عيني، وأصبت بالدوار وواجهت صعوبة في التنفس".
وأضافت مكي أن آثار الغاز كانت واضحة على الضحايا، وتسببت في تغير ملامحهم وألوان وجوههم، ما جعل التعرف إليهم صعبا، مشيرة إلى أنها لم تتمكن في البداية من التعرف إلى شقيقة زوجها وابن شقيقه.
وتابعت مكي أنها شاهدت أعدادا كبيرة من الجثامين داخل المستشفى، لأشخاص من مختلف الأعمار، بينهم أطفال في الثانية من العمر وآخرون في الستينيات.
*"لم يكن الخوف بقدر العجز"
ووصفت مكي تجربة البحث عن أقاربها بين الجثامين بأنها من أقسى ما عاشته.
وقالت: "أن يبحث الإنسان عن أقاربه بين عشرات الجثث الملقاة على الأرض شعور يصعب وصفه، لم يكن الأمر خوفا بقدر ما كان انكسارا للقلب وعجزا عن فعل أي شيء".
وخلال بحثها، تعرضت مكي لكمية أكبر من الغاز وبدأت تعاني صعوبة في التنفس، قبل أن يصطحبها زوجها إلى المستشفى لتلقي العلاج.
وقالت إن زوجها أراها لاحقا صورا التقطت قرب المسجد، وأخبرها بأن شقيقته كانت بين الأشخاص الظاهرين فيها، لكنها لم تتمكن من التعرف إليها بسبب تغير ملامحها.
وأشارت إلى أن الهجوم وقع في ليلة شديدة الحرارة، وفاجأ الأهالي وهم في أسرتهم بملابس النوم، فيما حاول الناجون تغطية جثامين الضحايا بما توفر لديهم.
*مطلب بالمحاسبة
وبعد 13 عاما على الهجوم، تتمسك مكي بمطلب محاسبة المسؤولين عنه.
وقالت: "أريد محاكمة نظام بشار الأسد ومن وقفوا إلى جانبه، بسبب ما ألحقوه بالشعب السوري".
وأضافت أن السوريين استهدفوا بالأسلحة الكيميائية بسبب مطالبتهم بالحرية والكرامة، معتبرة أن استجابة المجتمع الدولي للهجوم لم تكن كافية.
وأشارت إلى أن فريق التحقيق الدولي، رغم وجوده على بعد بضعة كيلومترات من دمشق، لم يتمكن من دخول المنطقة إلا بعد أيام، حيث أخذ عينات من التربة والدم والحيوانات، وأظهرت التحقيقات استخدام غاز السارين.
وقالت مكي: "لم يحصل الذين فقدوا حياتهم وذووهم على حقوقهم كاملة حتى الآن".
وطالبت مكي المجتمع الدولي بعدم نسيان الهجوم وإيصال أصوات ضحاياه، داعية إلى تخصيص يوم وطني لإحياء ذكراهم.
وتأتي مطالبتها في ظل خطوات اتخذتها السلطات السورية الجديدة في ملف المحاسبة؛ ففي 29 أبريل/ نيسان 2026، أعلن وزير الداخلية أنس خطاب اعتقال اللواء عدنان عبود حلوة، ووصفه بأنه أحد أبرز الضباط المسؤولين عن مجزرة الغوطة الكيميائية.
كما أكد مسؤولون سوريون، في الذكرى الـ13 للمجزرة، أن السلطات ألقت القبض على عدد من المشاركين فيها، وأنها تواصل ملاحقة بقية المتورطين، فيما شدد وزير الخارجية أسعد الشيباني على العمل لتحديد هوية مرتكبي الهجمات الكيميائية ومحاسبتهم.
وفي سياق متصل، جددت سوريا وفرنسا، في 21 أغسطس/ آب الجاري، التزامهما بمحاسبة المسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيميائية، فيما تقدمت دمشق بطلب للانضمام إلى "الشراكة الدولية لمكافحة الإفلات من العقاب عن استخدام الأسلحة الكيميائية".
وفي يوليو/ تموز 2026، أعادت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى سوريا كامل حقوقها وامتيازاتها بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، بعد إعلان دمشق إحراز تقدم في معالجة مخلفات البرنامج الكيميائي الذي ورثته عن النظام المخلوع.