لم تكن مهمة بعثة الأمم المتحدة التي تحققت من مجزرة الغوطة في أيلول 2013 مخولة بتحديد الجهة المنفذة للهجوم، بل اقتصرت ولايتها الفنية على الإجابة عن سؤال واحد: هل استُخدم سلاح كيميائي فعلاً؟
وقد أجابت البعثة، برئاسة الخبير السويدي آكي سيلستروم، بنعم قاطعة، مستندة إلى عينات دم وبول وبيئة وذخائر فحصتها أربعة مختبرات دولية، وإلى مقابلات مع أكثر من خمسين ناجياً وعاملاً طبياً.
لكن غياب تفويض تحديد المسؤولية ترك ثغرة استغلها النظام البائد لسنوات طويلة، مروجاً روايات مضللة عن “انفجار عرضي” لمخزون كيميائي بحوزة المعارضة، رغم أن منظمة هيومن رايتس ووتش فندت هذه الرواية في تقريرها الصادر بعد أسبوعين من المجزرة، مؤكدة استحالة توافقها مع توزع الضحايا في موقعين تفصل بينهما ستة عشر كيلومتراً.
هذه الثغرة في الولاية الأممية لم تُترجم إلى فراغ كامل؛ فقد واصلت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا العمل على الملف ضمن تحقيقاتها الأوسع، مشيرة إلى أن طبيعة وكمية المواد المستخدمة توحي بقدرة لا تتوفر إلا لدى جيش الأسد.
وبالتوازي، انفتح مسار قضائي دولي بديل عبر مبدأ الولاية القضائية العالمية، حيث دعمت الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM) قضية أمام القضاء الفرنسي تتعلق بهجمات دوما والغوطة الشرقية الكيميائية، أفضت في 13 تشرين الثاني 2023 إلى إصدار مذكرات توقيف فرنسية بحق مسؤولين سوريين، في أول اختراق قضائي ملموس لجدار الإفلات من العقاب، وإن ظلت هذه المذكرات إجراءات اتهامية لم ترقَ بعد إلى أحكام إدانة نهائية.
سقوط النظام البائد يفتح الباب أمام تحقيق كان مستحيلاً
أحدث تحرير سوريا في 8 كانون الأول 2024 تحولاً جذرياً في معادلة التحقيق الدولي، فبعد يوم واحد فقط من سقوط النظام، بادرت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى التواصل مع القيادة السورية الجديدة، مؤكدة أنها أمضت أحد عشر عاماً كاملة في محاولة سد فجوات وتناقضات الإعلان الذي قدمه النظام البائد عن برنامجه الكيميائي دون أن تتمكن من التحقق الكامل من صحته، وأن التحول السياسي يتيح فرصة تاريخية لم تكن متاحة من قبل.
تجسد هذا الانفتاح في زيارة وفد المنظمة برئاسة مديرها العام فرناندو أرياس إلى دمشق في 8 شباط 2025، حيث سلّم الحكومة السورية خطة عمل من تسع نقاط، تلتها خطوات متسارعة.
وبلغ هذا التعاون ذروته في أيار 2026، حين أعلنت المنظمة رسمياً اكتشاف ذخائر ومواد كيميائية ومعدات ووثائق غير معلنة سابقاً، بالتوازي مع إعلان دمشق العثور على ذخائر مشابهة ونقلها إلى مرافق خاصة تمهيداً لتدميرها، واعتقال 18 شخصاً مرتبطين بالبرنامج بينهم ضباط رفيعو المستوى وخبراء من مركز البحوث العلمية.
وتُوّج هذا المسار في 9 تموز 2026 باستعادة سوريا كامل حقوقها وامتيازاتها في المنظمة بعد تعليقها منذ 2021، في اعتراف دولي صريح بأن النظام البائد كان يكذب على المنظمة ويعرقل عملها، مقابل شفافية غير مسبوقة أبدتها دمشق.
من التحقيق الفني إلى الملاحقة الجنائية الداخلية
انتقل الملف بعد التحرير من حيز التحقيق الفني الدولي إلى حيز الملاحقة الجنائية الداخلية المباشرة، في تطور لم يكن ممكناً تصوره في ظل النظام البائد.
ففي 29 نيسان 2026، أعلن وزير الداخلية أنس خطاب اعتقال اللواء عدنان عبود حلوة، واصفاً إياه بأنه أحد أبرز الضباط المسؤولين عن مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية.
وفي أيار من العام نفسه قُبض على العميد خردل أحمد ديوب، الذي ثبت ضلوعه في الهجمات الكيميائية أثناء خدمته في فرع المنطقة بدمشق ووجوده في منطقة حرستا، حيث أسهم في التنسيق اللوجستي لقصف الغوطة الشرقية بالسلاح الكيميائي.
وفي تموز قبض على العقيد أحمد حبيب علي، المختص بالأسلحة الكيميائية والمسؤول عن مستودعات غاز السارين والتصنيع الكيميائي خلال عهد النظام البائد.
هذا التحول الميداني ترافق مع بناء مؤسسي موازٍ؛ إذ أنشئت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب المرسوم الرئاسي رقم 20 في 17 أيار 2025، لتتولى مسارات كشف الحقيقة. والمساءلة وجبر الضرر والمصالحة الوطنية وحفظ الذاكرة، مؤكدة أن مسارها لن يكون طريقاً للعفو بل تحقيقاً فعلياً للعدالة.
وقد نشط “مسار جبر الضرر” داخل الهيئة عبر لقاءات ميدانية، من بينها لقاء موسع مع ذوي الضحايا في القنيطرة في 18 حزيران 2026، ناقش سجلات الضحايا وأشكال التعويض، وإن لم تُعلن حتى الآن تعويضات مالية مستقلة خاصة بضحايا الغوطة تحديداً.
محصلة مسار لم يُغلق بعد
في هذا السياق، يتضح أن ملف مجزرة كيماوي الغوطة انتقل من مرحلة التوثيق العاجزة عن المحاسبة إلى مرحلة الملاحقة الفعلية، غير أن اكتمال هذا المسار ما زال رهناً بصدور أحكام قضائية نهائية بحق مرتكبي الجريمة تحديداً، وهو ما يبقيه، رغم كل ما تحقق، ملفاً مفتوحاً على العدالة الكاملة التي طال انتظارها.
أسرة التحرير



