مضيق هرمز.. من معارك الإمبراطوريات إلى صراعات الحاضر
شادي منصور
ليس مضيق هرمز مجرد ممر بحري ضيق يفصل بين ضفتي الخليج العربي، بل هو عقدة جيوسياسية تتكثف فيها معاني القوة والتاريخ معًا. عبر هذا الشريان تمر نسبة ضخمة من صادرات الطاقة العالمية، ما يجعله أحد أهم المفاصل في الاقتصاد الدولي.
لكن أهمية هرمز لا تكمن فقط في كونه طريقًا للنفط، بل في كونه أيضًا ساحة اختبار دائمة لفكرة السيطرة: من يملك هذا المضيق، ومن يستطيع فعليًا فرض إرادته عليه؟
في القرن السادس عشر، حاولت البرتغال الإجابة عن هذا السؤال بالقوة. حين قاد أفونسو دي ألبوكيرك حملته عام 1515، كان الهدف واضحًا: السيطرة على مفاتيح التجارة البحرية في الشرق.
سقطت جزيرة هرمز سريعًا تحت ضربات المدفعية البرتغالية، وأُقيمت القلاع، وبدأ عهد من الهيمنة البحرية الأوروبية المبكرة. بدا آنذاك أن التفوق التقني والعسكري كافٍ لفرض واقع دائم.
لكن هذا “الانتصار” كان، في جوهره، هشًا. فبعد أكثر من قرن، انهار الوجود البرتغالي أمام تحالف محلي–دولي قاده الشاه عباس الأول الصفوي بدعم من شركة الهند الشرقية البريطانية عام 1622.
لم يكن سقوط البرتغاليين مجرد هزيمة عسكرية، بل كشفًا لحقيقة أعمق: أن السيطرة على هرمز لا تُختزل في البحر، بل تُحسم على اليابسة، وفي عمق الجغرافيا المحيطة.
هذه الحقيقة التاريخية تقودنا إلى فهم أكثر تعقيدًا لطبيعة المضيق اليوم. فهرمز ليس ممرًا مائيًا معزولًا، بل تحيط به بيئة جغرافية شديدة القسوة والتعقيد، خاصة على الضفة الشمالية التي تقع ضمن أراضي إيران.
تمتد هناك سلاسل جبلية وعرة، وتضاريس صخرية تمنح المدافعين أفضلية طبيعية. هذه الجبال ليست مجرد خلفية جغرافية، بل تشكل جزءًا من منظومة دفاعية غير مرئية، تتيح السيطرة على المضيق من البر، لا من البحر فقط.
من هذا المنظور، يصبح الحديث عن السيطرة البحرية وحدها تبسيطًا مخلًا. فحتى لو امتلكت قوة كبرى مثل الولايات المتحدة تفوقًا ساحقًا في الأساطيل والتكنولوجيا، فإن هذا التفوق يظل محدودًا إذا لم يُترجم إلى سيطرة برية على النقاط الحاكمة المطلة على المضيق. التاريخ يثبت ذلك، والجغرافيا تؤكده.
إن أي محاولة لفرض سيطرة كاملة على مضيق هرمز من البحر فقط تصطدم بحقيقة عسكرية واضحة: المضيق ضيق، ومكشوف، ومحاط بمرتفعات قادرة على استهداف السفن بسهولة.
في مثل هذا السياق، تتحول القوة البحرية من أداة سيطرة إلى هدف محتمل. وهذا ما يجعل من الدفاع غير المتكافئ أي استخدام وسائل أقل كلفة مقابل قوة أكبر استراتيجية فعالة لأصحاب الأرض.
هنا تبرز الإشكالية الكبرى في أي سيناريو صراع حديث. فإذا افترضنا جدلًا أن الولايات المتحدة أرادت فرض سيطرة كاملة على المضيق، فإن ذلك لن يكون ممكنًا دون تحييد أو السيطرة على الضفة الإيرانية. وهذا يعني، عمليًا، الانتقال من حرب بحرية إلى حرب برية واسعة النطاق.
لكن ماذا يعني ذلك فعليًا؟
يعني الدخول في جغرافيا معقدة، تمتد من السواحل إلى الداخل الإيراني، حيث العمق الاستراتيجي، والكثافة السكانية، والقدرة على الاستنزاف الطويل.
السيطرة على المضيق، في هذه الحالة، لا تبدأ من هرمز، بل من الداخل، من مراكز القرار والبنية العسكرية. أي أنها قد تتطلب، نظريًا، الوصول إلى قلب الدولة، إلى العاصمة طهران، أو على الأقل شل قدرتها على إدارة المعركة.
وهنا يبرز السؤال الحاسم: ما هو الثمن؟
الثمن، وفق أي قراءة واقعية، سيكون باهظًا للغاية. ليس فقط من حيث الخسائر العسكرية، بل من حيث التداعيات السياسية والاقتصادية.
حرب بهذا الحجم ستؤدي إلى اضطراب عالمي في أسواق الطاقة، وربما إلى توسع النزاع إقليميًا، مع دخول أطراف أخرى على خط المواجهة. كما أن تجربة الحروب الحديثة تُظهر أن احتلال الأرض لا يعني بالضرورة السيطرة عليها، بل قد يفتح الباب أمام صراعات طويلة الأمد.
ثم يأتي السؤال الأكثر واقعية: هل هذا ممكن أصلًا؟
الإجابة لا تتعلق بالقدرة العسكرية المجردة، بل بالإرادة السياسية والكلفة المقبولة. قد تمتلك الولايات المتحدة القدرة على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة، لكنها، كما أظهرت تجارب سابقة، تواجه تحديات كبيرة في تحويل التفوق العسكري إلى استقرار سياسي دائم. وفي حالة إيران، فإن حجم الدولة، وطبيعة نظامها، وتركيبة مجتمعها، تجعل من أي محاولة للسيطرة عليها مشروعًا بالغ التعقيد.
في هذا السياق، يعود التاريخ ليقدم درسه مرة أخرى. البرتغاليون سيطروا على هرمز من البحر، لكنهم فقدوها عندما واجهوا تحالفًا يملك الأرض والعمق. واليوم، رغم اختلاف الأدوات واللاعبين، تبقى القاعدة ذاتها: الجغرافيا تمنح أفضلية لمن ينتمي إليها.
إن مضيق هرمز، في نهاية المطاف، ليس مجرد نقطة يمكن احتلالها، بل منظومة متكاملة من البحر والبر والتاريخ. ومن يختزلها في بعدها البحري فقط، يكرر الخطأ ذاته الذي وقعت فيه قوى سابقة.
هكذا، من معارك القرن السادس عشر إلى توترات القرن الحادي والعشرين، يتضح أن السيطرة على هرمز ليست مسألة قوة عسكرية فحسب، بل معادلة معقدة تتداخل فيها الجغرافيا والسياسة والإرادة. وفي هذه المعادلة، كما يقول التاريخ بهدوء، يميل الميزان في نهاية الأمر إلى من يملك الأرض، لا إلى من يعبرها.
The post مضيق هرمز.. من معارك الإمبراطوريات إلى صراعات الحاضر appeared first on أنباء إكسبريس.





