إسطنبول – وكالات
وجّه وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس جيشه إلى إعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون المدني المتعلق بالمستوطنين والمستوطنات في الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية، في خطوة تفتح ملفاً أوسع بشأن طبيعة السيطرة الإسرائيلية على الأرض المحتلة، ولا سيما أن الفلسطينيين في المنطقة ذاتها يواصلون الخضوع لمنظومة الحكم العسكري.
وأعلن كاتس، الجمعة (9 آب/أغسطس الجاري)، أن الخطة ستنقل مسؤولية إنفاذ القانون والنظام العام المتعلق بالإسرائيليين في الضفة من الجيش إلى الشرطة، مبرراً الإجراء بضرورة تركيز الجيش على مواجهة الفلسطينيين وحماية الحدود والمستوطنات.
وأكدت صحيفة /جيروزاليم بوست/ الإسرائيلية أن الخطة التي طلب كاتس إعدادها تشمل نقل صلاحيات إنفاذ القانون المدني المتعلق بالمستوطنين إلى الشرطة.
وجاء الإعلان بالتزامن مع استمرار أزمة بلدة قصرة جنوب نابلس، حيث حاصر مستوطنون عائلات فلسطينية داخل منازلها، وأفادت تقارير بأن قوات الاحتلال واجهت المستوطنين في الموقع، وسط انتقادات لطريقة تعامل الجيش مع الأحداث. وأقام مستوطنون بؤرة بالقرب من منازل فلسطينية وحاصروا عائلات، فيما وقعت مواجهات بينهم وبين قوات الاحتلال.
وربط كاتس بين إعادة توزيع الصلاحيات ودور الجيش في مواجهة ما تصفه إسرائيل بـ “الإرهاب الفلسطيني”، فيما أشارت مصادر إسرائيلية إلى أن الشرطة تتولى أصلاً جانباً من إنفاذ القانون المدني المتعلق بالمستوطنين، وأن الخطة تستهدف توسيع مسؤوليتها لتشمل كامل هذا المجال.
نقل الصلاحيات يأتي بعد إجراءات أوسع في الضفة
واتخذت الحكومة الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية إجراءات أخرى وسّعت صلاحيات مؤسسات الدولة الإسرائيلية في الضفة الغربية، بالتزامن مع تخفيف قيود كانت تعرقل شراء المستوطنين للأراضي.
وأقرّ المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي (كابينيت) إجراءات تسهّل شراء المستوطنين اليهود أراضي في الضفة، وتوسع قدرة السلطات الإسرائيلية على التدخل في مناطق تقع، وفق ترتيبات أوسلو، ضمن الإدارة الفلسطينية. وتشمل تلك الإجراءات مجالات دينية وبيئية ومائية وأثرية.
وبرر كاتس القرار باعتبارات تتعلق بتوزيع المسؤوليات بين الجيش والشرطة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الجيش بسبب طريقة تعامله مع اعتداءات المستوطنين. وأشارت تايمز أوف إسرائيل في تقرير لها إلى أن الشرطة الإسرائيلية تتولى بالفعل جانباً كبيراً من إنفاذ القانون المدني على الإسرائيليين في الضفة، فيما يستهدف قرار كاتس نقل المسؤولية بصورة كاملة من الجيش إلى الشرطة.
وأظهرت التطورات في “قصرة” سبباً مباشراً لطرح هذا التغيير؛ إذ استمرت أزمة حصار عائلات فلسطينية من جانب مستوطنين لعدة أيام، فيما تعرض الجيش الإسرائيلي لانتقادات بسبب عدم إنهاء الحصار سريعاً. ونقلت تقارير حديثة أن السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي وصف المستوطنين المشاركين في الحصار بأنهم “إرهابيون”، في انتقاد أمريكي نادر لسلوك مستوطنين إسرائيليين.
محسن صالح: الضم يستند إلى مشروع سياسي إسرائيلي سابق
وربط محسن صالح، مدير عام مركز “الزيتونة” للدراسات والاستشارات، الإجراءات الحالية بمشروع سياسي أوسع داخل اليمين الإسرائيلي لضم الضفة الغربية وحسم الصراع.
وأشار صالح في حديث مع “قدس برس” إلى أن اللجنة المركزية لحزب “ليكود” صوتت في 31 كانون الأول/ديسمبر 2017 لصالح قرار يطالب نواب الحزب في برلمان الاحتلال بالدفع باتجاه ضم الضفة الغربية، قبل أن يتضمن برنامج الليكود الانتخابي عام 2019 ضم منطقة الأغوار وشمال البحر الميت.
وأضاف أن حزب “الصهيونية الدينية” تبنى عام 2022 “خطة الحسم” التي طرحها بتسلئيل سموتريتش، والتي تستهدف، وفق التصور الذي قدمه الحزب، حسم الصراع في فلسطين التاريخية وضم الضفة الغربية.
ورأى صالح أن الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب “توفر بيئة سياسية أكثر ملاءمة لهذا المسار”، مستنداً إلى مواقف ترامب السابقة (في ولايته الأولى) من القدس والجولان و”صفقة القرن”، إضافة إلى مواقف شخصيات بارزة في إدارته تجاه إسرائيل والضفة الغربية.
وأشار إلى أن تعيين ماركو روبيو وزيراً للخارجية، ومايك هاكابي سفيراً لدى إسرائيل، وإليس ستيفانيك سفيرة لدى الأمم المتحدة، يعكس، بحسب تقديره، وجود شخصيات أمريكية ذات مواقف داعمة بقوة لإسرائيل وللمشروع الاستيطاني.
أربعة تحديات أمام مسار الضم
وحدد صالح أربعة تحديات يمكن أن تواجه المشروع الإسرائيلي الأمريكي في الضفة، أولها احتمال انهيار مسار التسوية والسلطة الفلسطينية، بما قد يفتح المجال أمام انتفاضة واسعة وتعزيز المقاومة.
وربط التحدي الثاني بالأمن القومي الأردني، معتبراً أن ضم أجزاء واسعة من الضفة أو دفع السكان نحو التهجير سيضع الأردن أمام مخاطر مباشرة، وقد ينعكس على علاقاته مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وربط التحدي الثالث بمشروع التطبيع السعودي الإسرائيلي، موضحاً أن انهيار خيار “حل الدولتين” أو اندلاع انتفاضة واسعة في الضفة يمكن أن يعطل أي مسار لاستئناف التطبيع.
وحذر من أن يمثّل المسجد الأقصى التحدي الرابع، بسبب قدرته على تفجير موجات واسعة من التصعيد الفلسطيني والعربي والإسلامي.
ورأى صالح أن طبيعة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البراغماتية والمتقلبة قد تدفعه إلى تأجيل دعم الضم إذا أصبح عائقاً أمام مصالح أمريكية أخرى، معتبراً أن صمود الفلسطينيين في الضفة وقدرتهم على تطوير حالة مقاومة شعبية سيكونان عاملين مؤثرين في إفشال المشروع.
محكمة العدل الدولية تضع الضم في إطار قانوني
وحددت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 الإطار القانوني الذي يحكم قضية السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وخلصت المحكمة إلى أن استمرار وجود إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وربطت ذلك بانتهاك حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، كما أكدت أن إسرائيل لا تملك، بحكم الاحتلال، حق السيادة أو ممارسة سلطات سيادية على أي جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة.
ووصفت المحكمة استمرار إسرائيل في إساءة استخدام موقعها كقوة احتلال، من خلال الضم وفرض السيطرة الدائمة على الأرض المحتلة وإحباط حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، بأنه انتهاك لمبادئ أساسية في القانون الدولي.
وتضع هذه الخلاصة القانونية الإجراءات الإسرائيلية المتصلة بالأرض والاستيطان وإدارة المستوطنين ضمن سياق أوسع، مع بقاء التمييز ضرورياً بين الإجراءات التي قد تعزز السيطرة الفعلية وبين إعلان الضم الرسمي الذي لم يصدر بشأن الضفة الغربية ككل.
إجراءات متدرجة تعيد تشكيل واقع الضفة
وتظهر الوقائع الموثقة أن قرار كاتس جاء بعد سلسلة إجراءات إسرائيلية طالت شراء الأراضي وتسجيلها وتوسيع صلاحيات المؤسسات الإسرائيلية في الضفة، بالتزامن مع استمرار التوسع الاستيطاني.
وتشير هذه الإجراءات، مجتمعة، إلى تحول في أدوات إدارة المستوطنين والأرض، في وقت تستمر فيه الإدارة العسكرية الإسرائيلية للسكان الفلسطينيين.
وتربط حماس هذه التطورات بمشروع الضم والتهويد، بينما يضعها محسن صالح ضمن مسار سياسي إسرائيلي أوسع، وتحدد محكمة العدل الدولية الإطار القانوني الذي يحظر اكتساب الأرض المحتلة بالضم أو فرض سيادة عليها بالقوة.
ويجعل ذلك من قرار نقل صلاحيات إنفاذ القانون من الجيش إلى الشرطة تطوراً جديداً في ملف الضفة، لا باعتباره إعلاناً إسرائيلياً رسمياً عن الضم، وإنما باعتباره إجراءً يحتاج إلى قراءة ضمن سلسلة القرارات التي سبقته والتي تعيد توزيع أدوات السيطرة الإسرائيلية على الأرض المحتلة.
The post ماذا يعني قرار نقل صلاحيات إنفاذ القانون بالضفة من جيش الاحتلال إلى شرطته؟ appeared first on السبيل.


