ماذا تعني خسارة فيكتور أوربان لليمين المتطرف في أوروبا؟
لم تكن خسارة فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية مجرد تغيير حكومي عادي في دولة عضو بالاتحاد الأوروبي، بل بدا أقرب إلى زلزال سياسي لم تقتصر ارتداداته على العاصمة المجرية بودابست فحسب، بل امتدت لتطرق أبواب صنع القرار في بروكسل وموسكو والشرق الأوسط.
فبعد 16 عاماً من حكمٍ صاغ خلاله أوربان نموذجاً خاصاً من القومية المحافظة والصدام المفتوح مع بروكسل، جاءت انتخابات 12 أبريل/ نيسان 2026 لتمنح بيتر ماجار وحزب تيسا فوزاً كاسحاً، أنهى واحدةً من أكثر التجارب السياسية إثارةً للجدل داخل الاتحاد الأوروبي.

وأقرّ أوربان نفسه بالهزيمة، بينما تعهّد ماجار بإعادة تثبيت المجر داخل الفضاء الأوروبي، وإطلاق إصلاحات تمس القضاء والإعلام ومكافحة الفساد، في إشارة واضحة إلى أن بودابست قد تكون على موعد مع إعادة تموضع داخلي وخارجي معاً.
ولا تنبع أهمية هذا التحول فقط من هوية الفائز، بل من هوية الخاسر أيضاً. فأوربان لم يكن مجرد رئيس وزراء مجري، بل أحد أبرز رموز اليمين القومي في أوروبا، وحليفاً سياسياً لتيارات شعبوية ومحافظة متشددة داخل القارة وخارجها، كما كان صاحب الموقف الأوروبي الأكثر تشدداً في تعطيل الدعم الغربي لأوكرانيا والحفاظ على قنوات مفتوحة مع موسكو، فضلاً عن دعمه للسياسات الإسرائيلية المتطرفة.
ماذا نعرف عن بيتر ماجار؟
بيتر ماجار (45 عاماً) هو محامٍ وسياسي مجري درس القانون والعلوم الإنسانية، وعمل محامياً وقاضياً متدرباً، كما شغل مناصب حكومية عدة، منها مشرّع لشؤون الاتحاد الأوروبي في وزارة الخارجية والتجارة المجرية، والرئيس التنفيذي لمركز قروض الطلاب.
وكان ماجار عضواً في حزب “فيدس” الحاكم (حزب أوربان) ومسؤولاً حكومياً، قبل أن ينشق عنه.
ودخل ماجار المعترك السياسي كمعارض عام 2024، وأسس حزب “تيسا” معتمداً على خطاب قوي مناهض للفساد واحتكار مؤسسات الدولة، ليتمكن في وقت قياسي من حصد الأغلبية في انتخابات أبريل/ نيسان 2026.
ويقدّم ماجار نفسه بوصفه محافظاً مؤيداً لأوروبا، لا بوصفه مرشحاً يسارياً. وركّز برنامجه المعلن على مكافحة الفساد، وإصلاح القضاء، واستعادة حرية الإعلام، مع تعهد بإعادة ضبط علاقة بودابست مع الاتحاد الأوروبي.
Peter Magyar has promised nothing less than a "system change" in Hungary.
— DW Europe (@dw_europe) April 15, 2026
We look at what Magyar is likely to do on the most pressing issues facing the country.https://t.co/Hx6OvpXOAT
ما هي أبرز مواقفه تجاه الشرق الأوسط؟
بينما لم تتضح حتى الآن بشكل كامل ملامح السياسات التي من المتوقع أن يتبناها رئيس الوزراء المجري الجديد، ماجار، تجاه الشرق الأوسط، إلا أن أبرز ما صدر عنه حتى الآن من تصريحات يكشف أنه ربما يسعى للموازنة بين العلاقات الثنائية القوية والمواثيق الدولية.
ففي أول مؤتمر صحفي له بعد الفوز، أكد ماجار وجود “علاقة خاصة” مع إسرائيل، مشيراً إلى أنها شريك اقتصادي مهم، وشدد على التزامه بتوفير الأمن للجالية اليهودية في المجر وبسياسة “عدم التسامح مطلقاً” مع معاداة السامية، وفق إعلام عبري.
ومع ذلك، وفي تحول بارز عن سياسة سلفه، تعهّد ماجار بإلغاء انسحاب بودابست من المحكمة الجنائية الدولية، لكنه امتنع عن إبداء أي رأي بشأن مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة بحق بنيامين نتنياهو بتهم ارتكاب جرائم حرب في غزة.
كما وجّه ماجار رسالةً واضحةً بأن المجر لن تستمر في تشكيل جدار حماية تلقائي لعرقلة قرارات الاتحاد الأوروبي المنتقدة لإسرائيل، موضحاً أن حكومته ستقوم بـ “تقييم كل حالة وقرار على حدة”.
وقبل الانتخابات، تحدث إعلام عبري عن تخوفات إسرائيلية من خسارة أحد أبرز حلفائها داخل الاتحاد الأوروبي، وهو فيكتور أوربان، الذي سعت إسرائيل لمساعدته على الفوز بالانتخابات،.
ووفق إعلام عبري: “زار ابن رئيس الوزراء، يائير نتنياهو، المجر الشهر الماضي (مارس/ آذار)، وشارك في مؤتمر يهدف إلى مساعدة أوربان قبل الانتخابات”.

ومن المعروف أن أوربان كان حليفاً قوياً لإسرائيل، حيث استقبل نتنياهو في العاصمة المجرية بودابست في أبريل/ نيسان 2025، رغم صدور مذكرتي اعتقال بحقه رفقة وزير دفاعه السابق يوآف غالانت، من قبل المحكمة الجنائية الدولية، لتكون المجر أول دولة أوروبية يزورها نتنياهو منذ صدور المذكرة.
ولفتت صحيفة يديعوت أحرونوت إلى أن الأوساط السياسية الإسرائيلية ترى أن “المجر بقيادة ماجار لن تكون شبيهة بإسبانيا أو أيرلندا، اللتين اتخذتا بعضاً من أكثر المواقف تشدداً ضد إسرائيل في الاتحاد الأوروبي”.
وأردفت: “ماجار مرشح من يمين الوسط، ويكمن القلق بالنسبة لإسرائيل في وعده الانتخابي بتأمين 15 مليار دولار من تمويل الاتحاد الأوروبي للمجر”.
وتابعت: “لتحقيق ذلك، سيحتاج ماجار إلى التوافق مع بروكسل، وهذا يعني على الأرجح إنهاء حق النقض (الفيتو) الذي تتمتع به المجر على القرارات التي تستهدف إسرائيل”.
ونتيجة لذلك، تقول الصحيفة، “قد تفقد إسرائيل خط دفاعها الأخير في الاتحاد الأوروبي ضد العقوبات، التي تتطلب إجماع جميع الدول الأعضاء الـ 27”.
ماذا يعني فوز ماجار للاتحاد الأوروبي؟
يمثل فوز ماجار الساحق على أوربان في الانتخابات التشريعية المجرية تحولاً جذرياً بالنسبة للمجر والاتحاد الأوروبي، حسبما تقول وكالة الأنباء الفرنسية.
وكانت محاولات أوربان المتكررة لتقويض مساعي الاتحاد الأوروبي للعمل الجماعي – فضلاً عن دفاعه عن “الديمقراطية غير الليبرالية” التي أصبحت عليها المجر في عهده – قد أثارت غضب المفوضية الأوروبية واستياءها.
وأدى رفضه قرضاً ضخماً من الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا، واستراتيجيته المتمثلة في تأخير، بل ومعارضة، العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا، إلى جعل التكتل يبدو عاجزاً ومنقسماً.
وفي الوقت نفسه، أدى ازدراؤه للمعايير الديمقراطية، وفشله في معالجة الفساد، وازدراؤه لسيادة القانون، وحملاته القمعية على وسائل الإعلام، إلى قيام المفوضية بتعليق مليارات اليوروهات من التمويل المقدم إلى المجر.
في المقابل، وعد ماجار بإصلاح العلاقات المتوترة بين المجر والاتحاد الأوروبي ومعالجة العديد من مخاوفه.

وقال دينيس سينوسا، الخبير المشارك في مركز دراسات الأمن الجيوسياسي في فيلنيوس، لوكالة الأنباء الفرنسية: “أولويته القصوى هي سيادة القانون، وهذا ما سيشغله كثيراً. سيعتمد الأمر كلياً على قدرته على إنعاش الاقتصاد المجري، بما في ذلك استعادة الوصول إلى صناديق التمويل الهيكلية لدى الاتحاد الأوروبي”.
وأعربت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، عن ارتياحها لنتيجة الانتخابات، وعن آمالها في إعادة بناء العلاقات مع المجر، في منشور لها على منصة إكس.
وتشير ردود فعل القادة الأوروبيين على فوز ماجار إلى أنهم يتوقعون أن يتجاوز نهجه العملي بكثير مسألة قرض أوكرانيا، بحسب صحيفة التايمز. ورحّب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، تحديداً بنتيجة الانتخابات باعتبارها فرصةً لبناء “أوروبا أكثر سيادة”، وضمنياً، أوروبا ذات سوق موحدة أعمق وسلطات مركزية أكبر تساعدها على تأكيد استقلالها في مواجهة الولايات المتحدة وروسيا والصين.
ماذا عن روسيا وأوكرانيا؟
لم يُخفِ أوربان علاقته الوثيقة بموسكو. ولم يكتفِ بمواصلة شراء النفط والغاز الروسيين، بل ولقاء فلاديمير بوتين بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، كما عرقل قرضاً حيوياً من الاتحاد الأوروبي بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا، كان من شأنه أن يُموّل مساعدات عسكرية ودعماً حكومياً عاجلاً.
وأشارت تقارير إعلامية حديثة إلى أن بودابست شاركت معلومات سرية من الاتحاد الأوروبي مع الكرملين، ما أثار غضباً عارماً من الاتحاد الأوروبي.

ورغم أن ماجار وصف موسكو بأنها “خطر أمني” على أوروبا في خطابه بعد الفوز في الانتخابات، إلا أن بعض مواقفه بشأن روسيا وأوكرانيا لا تختلف اختلافاً كبيراً عن مواقف أوربان، وفق ما رصدت صحيفة الغارديان.
فقد أعرب عن أمله في أن ينتهي العدوان الروسي قريباً حتى يتسنى رفع العقوبات المفروضة على روسيا، مضيفاً: “نحن جيران لروسيا، وليس من مصلحة أوروبا شراء المواد الخام بأسعار مرتفعة لأن ذلك يدمر قدرتنا التنافسية”.
وبينما صرّح ماجار بأن حكومته لن تدعم انضمام أوكرانيا السريع إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أنه أشار بشكل حاسم إلى ارتياحه لاتفاقية قرض الاتحاد الأوروبي لكييف البالغة 90 مليار يورو، ما أثار الآمال في إمكانية صرف الأموال أخيراً. لكنه شدد على ضرورة وجود بند يسمح للمجر بالانسحاب من المساهمة في القرض، قائلاً إن بلاده تمر بـ”وضع مالي بالغ الصعوبة”.
ماذا تعني خسارة فيكتور أوربان لليمين المتطرف في أوروبا؟
تُشكل خسارة أوربان ضربةً رمزيةً لأحد أهم نماذج “الديمقراطية غير الليبرالية” الذي صاغه أوربان، والذي يُنظر إليه على أنه مرجع تقتدي به حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً” (ماغا) التي يتبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمعجبون بها في أوروبا.
ووصفت تقارير غربية أوربان بأنه حليف مهم لترامب ولرموز اليمين الأوروبي المتشدد، ولذلك فإن خسارته لا تعني فقط تبدّل حكومة في بودابست، بل خسارة هذا التيار لواحد من أبرز مواقع تمثيله داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
وقالت صحيفة الغارديان إن هزيمة أوربان ستشكل ضربةً قويةً لترامب وإدارته وحركة “ماغا“. وكان الرئيس الأمريكي قد أيد أوربان مراراً وتكراراً، ووعد بجلب “القوة الاقتصادية” الأمريكية إلى البلاد إذا أُعيد انتخاب أوربان.
وتزايدت أهمية أوربان السياسية والأيديولوجية بالنسبة لترامب مع زيارة نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، الأسبوع الماضي. وقال فانس، في محاولة منه لدحض اتهامات التدخل الأمريكي في الانتخابات: “كان علينا أن نظهر أن هناك بالفعل العديد من الأصدقاء حول العالم الذين يُقرّون بأن فيكتور وحكومته يقومون بعمل جيد وأنهم شركاء مهمون من أجل السلام”.

وأثار فوز ماجار الساحق تساؤلات لدى بعض اليمينيين الأوروبيين حول ما إذا كان تأييد ترامب له بمثابة ضربة قاضية.
ووصف وزير الدفاع البلجيكي، ثيو فرانكن، دعم فانس بأنه “خطوة انتخابية غبية للغاية”، مضيفاً: “أنا سياسي يميني، وأعتقد أن اليمين المتطرف يتصرف بغباء شديد”.
ورجّحت صحيفة التايمز أن اليمين الشعبوي في جميع أنحاء أوروبا إما أن ينأى بنفسه عن ترامب أو يعاني بسبب ارتباطه به.
وفي فرنسا، اتخذ حزب التجمع الوطني موقفاً معارضاً للتدخل الأمريكي. أما حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي كان متحمساً في البداية لحركة “ماغا”، فقد أصبح الآن متردداً لدرجة أن أحد قادته الوطنيين دعا إلى سحب القوات الأمريكية من الأراضي الألمانية.
وعن أبرز ردود أفعال قادة اليمين الأوروبي، قالت زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي، مارين لوبان، إن أوربان “دافع عن حرية المجر وسيادتها بشجاعة وتصميم”.
فيما كان سانتياغو أباسكال، زعيم حزب فوكس اليميني المتطرف في إسبانيا، أقل اعتدالاً.
وكتب على منصة إكس: “كانت المجر الدولة الأوروبية الوحيدة التي نجت من الغزو الإسلامي. إن هزيمة فيكتور أوربان تُعرّض ذلك للخطر. يترك أوربان مجراً أفضل بكثير من تلك التي ورثها، ويترك بصمة عميقة على جميع القوى الوطنية في أوروبا”.





