ماذا سيغيّر مؤتمر حركة فتح الثامن القادم؟
على أعتاب المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح، لا يقف السؤال عند حدود التوقع، بل يتجاوزها إلى مستوى المسؤولية: ماذا ستفعلون بهذه اللحظة؟ فالمؤتمر، في سياق الانقسام، وتراجع الثقة، وتصاعد التحديات، لم يعد مناسبة تنظيمية، بل لحظة فاصلة بين مسارين: استعادة الدور أو استمرار التآكل.
أنتم، أعضاء المؤتمر، لا تجتمعون لانتخاب قيادة فحسب، بل لتحديد ما إذا كانت فتح ستبقى حركة تحرر وطني حية، أم تتحول تدريجيًا إلى إطار تقليدي فاقد للمبادرة. وهذه ليست مبالغة، بل قراءة لواقع يزداد تعقيدًا في قطاع غزة والضفة الغربية، حيث تتآكل الثقة، وتُختبر الشرعيات، وتُملأ الفراغات بقوى أخرى أكثر حضورًا ميدانيًا.
أول ما ينبغي أن يتغيّر هو الوضوح. لقد دفعت الحركة ثمن التردد وتعدد الرسائل. المطلوب اليوم ليس خطابًا توفيقيًا، بل تعريف صريح للدور: هل أنتم بصدد إعادة بناء حركة تقود مشروعًا وطنيًا تحرريًا، أم إدارة واقع سياسي قائم؟ هذا الحسم هو نقطة البداية، لأن ما بعده—من سياسات وخيارات—سيتحدد على أساسه.
ثانيًا، لا يمكن لأي تغيير أن يحدث دون مراجعة شجاعة. ليست مراجعة شكلية تُكتب في التقارير، بل مراجعة تعترف بالأخطاء، وتحدد مكامن الخلل، وتضع معايير واضحة للمساءلة. إن تجديد القيادات ليس شعارًا، بل ضرورة حيوية. ضخ دماء جديدة، وإفساح المجال للكفاءات، وربط الموقع بالأداء لا بالولاء—كلها شروط لاستعادة الحيوية. فالحركات التي لا تُجدّد نفسها، يُجدّدها الواقع خارج إرادتها.
ثالثًا، إن إعادة الاعتبار للمؤسسة داخل فتح لم تعد خيارًا. غياب العمل المؤسسي، وتغليب مراكز النفوذ، أضعف القرار وأربك الأداء. أنتم أمام فرصة لإعادة بناء نظام داخلي قائم على الشفافية، وتوزيع الصلاحيات، والمساءلة. فالقوة التنظيمية لا تُقاس بعدد الأعضاء، بل بقدرتها على إنتاج قرار رشيد وتنفيذه.
أما سياسيًا، فإن التحدي الأكبر هو الخروج برؤية قابلة للتنفيذ. لا يكفي التمسك بالثوابت، بل يجب تحويلها إلى سياسات واضحة: ما هو أفق العملية السياسية في ظل انسدادها؟ كيف تُدار العلاقة مع الاحتلال؟ ما هي أدوات النضال الممكنة اليوم؟ وكيف يمكن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية جامعة؟ إن الغموض في هذه الأسئلة لم يعد مقبولًا، لأن كلفته تُدفع يوميًا على الأرض.
وفي هذا السياق، تبقى العلاقة مع حركة حماس اختبارًا حقيقيًا لجدية التغيير. إن استمرار الانقسام لم يعد مجرد خلاف، بل خطر وجودي يهدد المشروع الوطني برمته. والمطلوب منكم ليس إدارة الانقسام، بل امتلاك شجاعة إنهائه، عبر مقاربة جديدة تتجاوز الحسابات الفصائلية الضيقة.
ولا يقل أهمية عن ذلك، استعادة البعد الشعبي للحركة. فتح لم تكن يومًا نخبة مغلقة، بل كانت تعبيرًا عن نبض الناس. إن اتساع الفجوة بين القاعدة والقيادة، إن لم يُعالج، سيقوّض أي محاولة للإصلاح. المطلوب هو العودة إلى الميدان، إلى الناس، إلى قضاياهم اليومية، وإعادة بناء الثقة بالفعل لا بالخطاب.
كما أن المرحلة تفرض إعادة تعريف أدوات النضال. فالمواجهة لم تعد عسكرية فقط، بل سياسية، وقانونية، وإعلامية. تفعيل المقاومة الشعبية، والانخراط الفاعل في المحافل الدولية، واستخدام أدوات القانون الدولي—كلها مسارات يجب أن تُدار بعقل استراتيجي، لا بردود فعل آنية.
أيها الأعضاء، إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يمر المؤتمر دون أن يترك أثرًا. أن يُعاد إنتاج الوجوه ذاتها، والآليات ذاتها، والخطابات ذاتها. حينها، لن يكون المؤتمر محطة إنقاذ، بل حلقة إضافية في مسار التراجع.
لكن الفرصة ما زالت قائمة. بين أيديكم إمكانية حقيقية لإعادة تعريف فتح، لا كشعار تاريخي، بل كقوة فاعلة قادرة على المبادرة والتجديد. إن القرار الذي ستتخذونه—صراحةً أو ضمنًا—لن يحدد فقط شكل الحركة، بل موقعها في مستقبل القضية الفلسطينية.
السؤال الذي يجب أن يرافقكم في كل جلسة ليس: من يفوز؟ بل: هل ستخرج فتح من هذا المؤتمر أقوى مما دخلته؟
فإن كان الجواب نعم، فقد بدأ التغيير.
وإن كان غير ذلك، فإن التأجيل لن يكون إلا على حساب التاريخ.
عشتم وعاشت فتح وعاشت فلسطين.





