ماذا لو أصبح موسم الورد صِناعة إبداعيّة عُمانيّة وفق منظومة الاِقتصاد الإبداعيّ؟
الصحوة – سارا سلطان
في الجبل الأخضر بسلطنة عُمان، لا يبدو موسم الورد مُجرّد حدث زراعيّ موسميّ مُرتبط بقطف الورد وتقطير ماء الورد وبيع مُنتجاته، بل يُمكن قراءته من زاوية أوسع بوصفه منظومة اِقتصاديّة إبداعيّة مُتكاملة تجمع بين: الزّراعة، والمعرِفة، والتّجرِبة، والهُويّة الثّقافيّة.
كيف يتشكّل المشهد الجماليّ في موسم الورد؟
وراء جماليّة المشهد تكمن منظومة إنتاجيّة دقيقة، تقوم على خبراتٍ متوارثة وعوامل طبيعيّة. وتشير التّقديرات إلى وجود نحو 5000 شجرة ورد مُحمّديّ مزروعة على مدرّجات الجبل الأخضر، تمتدّ على مساحة تُقارب 7 أفدنة زراعيّة، بإنتاج يصل إلى نحو 28,000 لتر سنويًّا من ماء الورد العُمانيّ. وهو ما يعكس أنّ ما يحدُث يتجاوز كونه نشاطًا عابرًا، ليشكّل نموذجًا إنتاجيًّا يعتمد على: دقّة التّوقيت، الخصائص المناخيّة، والخِبرة التّراكميّة، بوصفها أساس المردود الاِقتصاديّ والدّلالة الثّقافيّة للموسم.
كيف يُقرأ الورد اِقتصاديًّا: كمُنتج زراعيّ، أم كقيمة اِقتصاديّة؟
في النّموذج التّقليديّ، يُنظر إلى الورد المُحمّديّ بوصفه محصولًا زراعيًّا موسميًّا، ولكن ضمن إطار الاِقتصاد الإبداعيّ يتحوّل هذا المُنتج إلى مجموعة من القيَم المُتداخلة:
– هُويّة مكانيّة مُرتبطة بجُغرافيّة الجبل الأخضر.
– مُنتج ثقافيّ يعكس إرثًا زراعيًّا تتوارثه الأجيال.
– تجرِبة حِسّيّة يتحوّل فيها المُنتج إلى إحساس يُعاش.
وعليه، يُقدّم ماء الورد كاِمتداد لهُويّة المكان وثقافته، وكمكوّن ضمن منظومة اِقتصادية ومعرِفيّة تعكس عُمق العَلاقة بين: الإنسان والمكان.
هل يُمكن النّظر إلى موسم الورد باِعتباره مدخلًا لفهم الاِقتصاد الإبداعيّ؟
تُظهر المُقاربة التّحليليّة لموسم الورد في الجبل الأخضر إطارًا تشغيليًا للاِقتصاد الإبداعيّ يقوم على ثلاثة أبعاد رئيسة:
– اِقتصاد الإنتاج: الزّراعة، القطف، التّقطير، البيع، والتّوزيع.
– اِقتصاد المعرِفة: المهارات التّقليديّة المُتوارثة الّتي تُنظّم المُمارسات الزّراعيّة، وتقنيات الاِستخلاص، وتوجّه أساليب الإنتاج.
– اِقتصاد التّجرِبة: السّياحة الموسميّة، التّفاعل المُجتمعي، وصِناعة المُحتوى المُرتبط بالموسم.
هذا التّداخل يُعيد تعريف العَلاقة بين الاِقتصاد والثّقافة بحيث يُصبح المُنتج نتيجة شبكة مُتكاملة من العمليّات الماديّة، والمعرِفيّة، والتّجريبيّة.
لماذا تحظى هذه القراءة أهمّيّتها اليوم؟
تحظى هذه القراءة أهمّيّتها في ظلّ التّغيّرات الّتي أعادت تشكيل عَلاقة المُستهلك بالمُنتج، فلم يعد يتعامل معه كسلعة مُستقلّة، بل كجزء من المنظومة الّتي تُحيط به:
– كيف تم إنتاجه؟
– من أين جاء؟
– ما التّجرِبة المُرتبطة به؟
– ما المعنى الّذي يحمله؟
في موسم الورد، تُقدّم تجربة مُتكاملة قائمة على النّدرة الزّمنيّة والمكانيّة، ليغدو حدثًا لا يتكرّر إلّا مرّة واحدة سنويًّا، وهو ما يمنحه بُعدًا يتجاوز خصائصه المادّية إلى أبعاده الرّمزيّة.
هل يُعدّ موسم الورد نموذجًا اِقتصاديًّا إبداعيًّا؟
يشكّل موسم الورد في الجبل الأخضر نموذجًا موسميًّا تتقاطع فيه عدّة عناصر رئيسة وهي: مورد طبيعيّ يتمثّل في الورد المُحمّديّ، صِناعة تحويليّة قائمة على تقطير ماء الورد، معرِفة تُراثيّة مُتوارثة عبر الأجيال، وتجرِبة سياحيّة موسميّة مُتكاملة إضافة إلى هُويّة مكانيّة تمنح الموسم فرادته وتميّزه. ومن هذا المُنطلق، يتخطّى الموسم كونه نشاطًا زراعيًّا موسميًّا ليغدو نموذجًا مُصغّرًا للاِقتصاد الإبداعيّ في سلطنة عُمان، حيث تلتقي الطّبيعة بالمعرِفة، والموروث بالإنتاج، والسّياحة بالهُويّة الثّقافيّة في منظومة واحدة تُحدث أثرًا يتجاوز حدود المكان والزّمان.





