قياسا إلى ذلك، فتنت قصائده بالوزن التقليدي، في انضباط صارم إلى سونيتات تتناغم مع التراث الشعري لما سمي العصر الذهبي الإسباني، وكانت محض تمارين مدرسية ستؤسس لما سيأتي من تحولات فنية.
في نزوعه الرومانسي والوجودي معا، جنح غارسيا إلى الشعر في بداياته، لكي يصنع صوتا خاصا، لغة مفردة، إضافة إلى خلاص ذاتي، من أجل التلطيف من حدة الاغتراب، لشاب لفظه جحيم أراكاتاكا صوب جليد بوغوتا، وهذا ما تحيل عليه استعارات المطر والغياب والضباب المتكررة في نصوصه الشعرية، إذ هي حالات نفسية محتدمة أكثر منها ظواهر طبيعية.
سينسلخ غارسيا ماركيز عن إلزامية الوزن والقافية في قصيدة "موت الوردة"، في اختيار أكثر حرية، يستوعب عوالمه الرمزية والسحرية في آن.
بدأ غارسيا ماركيز شاعرا غنائيا في أراكاتاكا، في مقتبل مغامراته كصبي شقي في بارانكيا، وكمراهق مولع في بوغوتا، دون أن ننسى أن والده كان شاعرا هاويا، يدبج غنائيات المناسبات العائلية والوطنية، مبتكرا "الديسيمات" أي القصائد عشرية الأبيات، فضلا عن تأثير جدته، ترانكيلينا إيغواران، في تعميق علاقته بما أطلق عليه توصيف "الأرواح المراوغة للشعر".
وللإنصاف النقدي، هي محض فورة بدايات، لاشتعال لغته، ولا يمكن الإرتهان إليها كمنجز شعري إلا من زاوية قيمتها كمختبر سري جرب فيه أدواته المجازية، كعتبة لعبور أدهى، أعمق، إلى بيت أساطيره الخاصة.
وأما ما نسب إليه من قصائد أخرى، فقد تصدى له النقد، ضد التزييف، وانتصارا لأخلاقيات الأثر الفني، ذي العلامة الجمالية المسجلة.
شيء آخر نسب إليه، وجبت الإشارة إليه هو أن غارسيا ماركيز كتب بعض القصائد في الأربعينات باسم مستعار، هو خافيير غارسيس على سبيل الدعابة، قبل أن يتحول جذريا نحو النثر، صوب السرد، قصة قصيرة ورواية.
في حوار تلفزيوني في تشيلي، جمعه مع بابلو نيرودا عام 1971، أفصح غارسيا ماركيز: "لدي نزعة لتحويل الروايات إلى شعر"، وعن روايته "خريف البطريريك" صرح بأن طموحه في هذا الامتحان السردي، كان إيجاد حلول شعرية أكثر منها سردية.
ختاما، نورد النص الكامل لإحدى قصائده.
مرثية إلى ماريسيلا: الجغرافيا السماوية
لم تمت... بل شرعت
في رحلة مع الغروب
زرقة تلو أخرى
من سماء إلى سماء.
عند الثالثة
ستلقى القديس إيسيدرو
يحرث السماء
بثوريه الوديعين
ويزرع النجوم.
- يا رب، أين الطريق إلى الفردوس؟
- اصعد درب التبانة
ستدلك الدبة الصغرى
وعند المساء
سيعلق ملاك القمر
على مشجب الغروب.
ماتت مارسيلا
لكن زنبقة ما تزال.


