... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
18444 مقال 495 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 3313 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 20 ثانية

«ماديّون»: عن الأطوار الحديثة للمواعدة والحبّ

حبر
2026/02/16 - 12:46 501 مشاهدة

تنويه: تحتوي هذه المراجعة على حرق لبعض أحداث الفيلم.

خطفت الكاتبة والمخرجة الكندية الكورية سيلين سونج الأنظار في فيلمها الروائيّ الأوّل «حيوات ماضية» (2023)، الذي نال استحسانًا جماهيريًّا ونقديًّا واسعًا ورُشّح لجائزتي أفضل فيلم وأفضل سيناريو أصليّ في النسخة الـ96 من جوائز الأوسكار.

في فيلمها الثاني «ماديّون» (2025)، تواصل سونج الانشغال بسؤال الحبّ وتعقيدات العلاقات الإنسانيّة، والعاطفيّة منها على وجه الخصوص، وتحاول تحديدًا الحفر في سؤال: كيف تهيمن الرأسماليّة على حيواتنا العاطفيّة؟

الزواج بوصفه صفقة تجاريّة

في توطئة لموضوع الفيلم، تطالعنا سونج في بمشهد افتتاحي رائق لامرأة ورجل من قرون خلت يختبران الحبّ بوصفه أمرًا بسيطًا لا يتطلّب أكثر من رضا الطرفين ومشاعرهما الصادقة. تنتقل الكاميرا بعد ذلك مباشرة إلى النقيض المعاصر لهذه الصيغة لنتابع لوسي (داكوتا جونسون) وسيطة الزواج لدى شركة «Adore» التي تستهدف مجتمع الأثرياء في مدينة نيويورك. تنتهج لوسي وشركتها نهجًا براجماتيًا يرتكز بصورة رئيسة على التوفيق بين طرفين يستطيع كل منهما استيفاء معايير الطرف الآخر، أو معظمها على الأقلّ. هكذا تغدو المواعدة ومن ثمّ الزواج صفقة تجاريّة تقوم على مجموعة مواصفات واشتراطات شكليّة وماديّة بحتة تتضمّن المظهر والمكانة الاجتماعيّة والثروة. من ثمّ تتحوّل المواعدة إلى سوق للعرض والطلب يتفاوض فيها زبائن لوسي على عمر الشريكة ومدى جاذبيّتها وطول الشريك ودخله السنويّ، وعلى هذا النحو تغدو بضعة إنشات أو سنة إضافيّة من العمر مقياسًا صارمًا لقبول أو رفض الشريك/ة المحتمل/ة.

هكذا تسخر سونج من ثقافة المواعدة الحديثة وكذلك من تحويلها إلى لعبة توافقات، عوضًا عن أن تكون في الأساس حاجة إنسانيّة إلى إيجاد روابط حقيقيّة ذات معنى، إذ جرى اختزال هذه العملية المركّبة في مجموعة من القواعد والشروط وإخضاعها للتنافس ولارتهانات المكسب والخسارة.

بالانتقال من العالم البدائيّ الهادئ والبسيط لإنسان الكهف، حيث لا حسابات أو معادلات أو شركات وسيطة أو تطبيقات للمواعدة، إلى عصر السرعة والوفرة والتقنيّات الفائقة، حيث يسود «الحبّ السائل» بتعبير زيجمونت باومان، الذي يميل إلى العلاقات الاستهلاكيّة العابرة، يكشف الفيلم عن التحوّلات الكبيرة في أطوار المواعدة والزواج الحديثة. فبينما يخطب رجل الكهف حبيبته بباقة ورد بسيطة وخاتم يصنعه من إحدى هذه الورود، وإذ تأخذنا الكاميرا إلى أيادي الحبيبين المُغبّرة التي تحمل آثار العمل الشاق، نرى لهاث «عشّاق» العصر الحديث وراء درجات استثنائية أحيانًا من «التجمّل» ومحاولة بلوغ «الكمال» بتحويل الجسد نفسه إلى مشروع استثماريّ. وبين هذين النقيضين، يتجلّى كيف يغدو الحبّ عمليّة حسابيّة، وكيف يصبح الأمان الاقتصاديّ رديفًا للأمان العاطفيّ.

نقطة تحوّل

في نقطة مفصليّة في حياة لوسي، تصير جزءًا من مثلث حبّ يجمعها بهاري (بيدرو باسكال)، رجل الأعمال الوسيم، فاحش الثراء الذي يُعدّ بمقاييس شركات المواعدة شريكًا مثاليًّا يندر وجوده، وجون (كريس إيفانز) الممثل الكادح وحبيبها السابق الذي انفصلت عنه بسبب وضعه الماديّ المتعثّر (ما يذكّرنا بمثلث الحبّ الذي جمع نورا وهاسونج وآرثر في «حيوات ماضية»). تدشّن هذه اللحظة اختبارًا فعليًّا للوسي، الخطّابة البراجماتية الناجحة التي تشبّه مهنتها بالعمل في مشرحة أو شركة تأمين، حيث لا يجري النظر إلى النساء والرجال أبعد من كونهنّ/كونهم نقاطًا من البيانات يمكن للناظر/ة المتمرّس/ة إيجاد صلات نظريّة بينها، دون الحاجة إلى التعمق في حقيقة ودلالات هذه البيانات والعلاقات المتشابكة بينها. كما توحي هذه المماثلة بمركزيّة الجسد في المهن الثلاث، حيث يجري التعاطي مع الناس بوصفهم أجسادًا، وربّما محض حيوات «نظريّة»، في المقام الأوّل. هكذا تنتقل لوسي، من خلال علاقتها بهاري، إلى موقع تعاين فيه بشكل شخصيّ ما يترتب عليه نهجها في مقاربة المواعدة والزواج من نتائج ومعان.

إلى جانب ذلك، تبدأ أعطاب «سوق المواعدة» في الانكشاف. تتعرّض صوفي (زووي وينترز)  إلى اعتداء جنسيّ في اللقاء الأوّل من موعد غراميّ رتّبته لوسي وتشرع في مقاضاة الشركة الوسيطة، ما يُحدث شرخًا كبيرًا في ثقة لوسي في أسس مهنتها ونجاعة آليّاتها، لا سيّما في ضوء طريقة تعاطي مديرتها اللامبالي مع الحادثة وتقليلها من الأمر باعتباره أحد المخاطر المحتملة للمواعدة. كذلك لا تفضي هذه الحادثة إلى الانتباه إلى مواضع الخلل في المنظومة برمتها، ولا إلى مراجعة لآليّات العمل أو حتّى السعي إلى تعديل آليّات التحقق من مصداقيّة العملاء والعميلات، إذ يتبيّن أنّ ما قُدِّم لصوفي من معلومات أساسيّة حول الشخص الذي واعدها لم تكن صحيحة، ما يعني أنّ نظام عمل الشركة أخفق حتّى فيما يدّعي أنّه أكثر ما يجيده ويبني عليه توافقاته.

تضع سونج، إذن، بطلتها في مواجهة مع ذاتها، ما يستتبع تحوّلًا كبيرًا في منظور لوسي التي يتكشّف أمامها تهافت التعاطي مع المشاعر الإنسانيّة بوصفها أشياء قابلة للقياس ومع المواعدة بوصفها مهنة «ملء الخانات». من ثمّ نرى لوسي التي طالما حاضرت عن الزواج بوصفه صفقة تجارية تضيق ذرعًا بتصوّرات عميلاتها وعملائها، الذكوريّة والعنصريّة أحيانًا، عن الشريك/ة المثاليّ/ة وقوائم المواصفات السطحيّة والشروط غير المعقولة التي يضعها بعضهم، حتّى إنّها في لحظة ما تظنّ أنّ عليها أن تتحوّل إلى «د. فرانكشتاين» كي تستطيع بناء توافقات تلبّي التوقعات المبتغاة.

سؤال القيمة

يطرح اختزال الإنسان في قوائم مواصفات وحسابات بنكيّة سؤالًا عن موقع القيمة الإنسانيّة في هذه المنظومة. ربّما لذلك يلحّ هذا السؤال في لحظات فارقة في حيوات الشخصيّات الرئيسة في الفيلم، فيما يبدو أنّه أداة استجلاء للمعاني الغائبة عن بعض التمثّلات الحديثة لترتيبات التعارف والزواج. 

يبرز هذا السؤال دائمًا في مواجهة الآخر: الشريك المحتمل، أو الحبيب، أو حتّى وسيطة الزواج، كأنّه علامة مهمّة للتيقن من أصالة الفرد وقيمته الإنسانيّة في خضم هذا التسليع المتنامي للحياة إجمالًا وللعاطفة البشريّة على وجه الخصوص. كأنّما يريد السائل في غمرة طغيان النزعات الماديّة والاستهلاكيّة أن يتيقّن، وربمّا يستأنس، بكونه محبوبًا ومرغوبًا ومقدَّرًا في ذاته ولذاته، لقيمته بوصفه إنسانًا، لا لـ«قيمته السوقيّة»، أو لما يمكن أن يقدّمه للطرف الآخر، شراءً و/أو بيعًا. من ثمّ تقع أسئلة من قبيل: ممَّ تنبع القيمة؟ وبم تقاس؟ وما الأثمان التي يدفعها الناس للحفاظ على قيمتهم؟ في صميم ما يطرحه الفيلم من أسئلة، صراحًة وضمنًا.

تجليّات الهشاشة 

تلازمًا مع سؤال القيمة، يضيء فيلم «ماديّون» على ملامح الهشاشة الإنسانيّة التي تسم الجميع بدرجة أو بأخرى. فمن ناحية، نلمح وجهًا لهذه الهشاشة في اعتراف شارلوت، إحدى عميلات لوسي، أنّ الدافع الأوّل لارتباطها بشقيق هاري هو أنّ هذه الزيجة تثير غيرة شقيقتها. ومن ناحية أخرى، يخاطر هاري، وكذلك شقيقه، بإجراء جراحة خطيرة ومعقدة لإطالة القدمين ويعتبر ذلك استثمارًا جيّدًا في جسده لقناعته أنّه لا يمكنه أن يتودّد لامرأة مثل لوسي بقامة تقلّ عن 180 سم. بينما تتمثل أكبر هواجس امرأة جذابة ومثقفة وميسورة الحال مثل صوفي في خشيتها أن تموت وحيدة. فرغم هذا السعي المحموم وراء الرفاهية والأمان الماديّ والتوافقات المنمقة، وفي عالم التكنولوجيا الفائقة والثورات المتلاحقة في وسائل الاتصال، يبقى الشعور بالوحدة والوحشة وعدم الأمان أكبر تجليّات الهشاشة الإنسانيّة المعاصرة. 

وبينما نلمح بعضًا من هشاشة الإنسان المعاصر تجاه محيطه حين تتحوّل المدينة الكوزموبوليتانيّة الكبيرة إلى فضاء موحش بالنسبة لصوفي، فإنّ جون الذي يعيش في واحدة من أغلى مدن العالم من حيث تكلفة المعيشة لا يمتلك مدينته بالأساس، ويتقاسم مسكنه المتواضع مع آخرين، ويعاني من ظروف معيشيّة غير مستقرّة أثّرت بشكل جوهريّ على مسار حياته العاطفيّة وأفقدته حبيبته لسنوات. 

نهاية باعثة على الأمل

في لحظة تشابك الشأن الشخصيّ والموقع المهنيّ، تدرك لوسي أن عشاءات هاري الفاخرة وشقته الفخمة لن تصنع الحب أو تغني عنه، كما تدرك أنّ شركتها تبيع الوهم، والأذى أيضًا، للساعيات والساعين إلى المواعدة. من ثمّ تعيد هذه اللحظة إحياء حبّ لوسي وجون، بوصفه حبًّا صادقًا وأصيلًا وراسخًا، تجد فيه لوسي الاستئناس والأمان النفسيّ، رغم واقع الاثنين الهشّ وغير المثاليّ.

وقد نالت نهاية الفيلم الكثير من النقد بوصفها نهاية نمطيّة أُريدَ لها أن تنتصر للعاطفة على حساب المادة بما يخالف المنطق والواقع. لكن ثمّة قراءة مغايرة لهذه النهاية تستند إلى مبرّرات سرديّة. فبالنظر إلى لحظة مواجهة الذات التي عايشتها لوسي وما استتبعته من تحوّلات، يمكننا أن نرى أنّ خيارها ليس مدفوعًا بالحبّ فحسب، بل يمثل أيضًا انحيازًا للصدق والاتساق مع الذات والقيمة والكرامة الإنسانيّة في المقام الأوّل. فبالتوازي مع اختيارها للحبّ بدلًا من حياة الرفاهية والعيش المنعّم، تقرّر لوسي أن تستقيل من عملها، رغم أنّه العمل الوحيد الذي تجيده ورغم ما يمثّله لها من سبل مضمونة للارتقاء الماديّ والمهنيّ وذلك لأنّها اختارت ألّا تبيع الزيف والمخاطرة لنفسها ولزبائنها. 

ربّما لم ترد سونج، إذن، أن تكون النهاية مثاليّة بقدر ما أرادت أن تكون نهاية مبشّرة بأنّ الحبّ لم يزل متاحًا رغم إحكام الرأسماليّة قبضتها على حيواتنا ورغم تعقيدات العلاقات الإنسانيّة المعاصرة. فالحبّ، كما نراه في الفيلم، هو القرار الحرّ والصادق والشجاع، رغم ما يحمل من تبعات. «الحبّ هو الديانة الأخيرة، والبلد الأخير، وآخر ما تبقى من أيديولوجيّات»، كما يجري على لسان أحد الحضور في حفل زفاف شقيق هاري.

يمزج فيلم «ماديّون» بين السخرية والكوميديا والرومانسيّة، ويوظّف كادرات سينمائيّة دالّة، لا تخلو من الشاعريّة أحيانًا، ويعزّز الصورة بموسيقى تصويريّة مميّزة ليفتح بذلك مساحة مهمّة لتأمّل كيف تغلغل الاقتصاد في حيواتنا العاطفيّة، ولمساءلة مفاهيمنا المعاصرة عن الحبّ والزواج والجسد وهشاشة العلاقات الإنسانيّة. يحمل الفيلم البصمة المميّزة لمؤلفته ومخرجته، ومن ثمّ يتقاسم ملامح رئيسة مع فيلمها الروائي الأوّل، لكنّه لا يضاهيه في تعمّقه فيما يطرح من أسئلة، ولا في تضفيره لطبقات المعاني المتعددة التي يتناولها في نسيج البنية السرديّة للفيلم. 

يعيب الفيلم كذلك عدم تجذيره لشخوصه وأحداثه في السياقات الاجتماعيّة والسياسيّة الأكبر التي تشكّلت فيها، لا سيّما مع تناوله لموضوع مركّب ووثيق الصلة بجوانب عديدة من الحياة المعاصرة. لم يتعمّق الفيلم، على سبيل المثال، في حيوات لوسي وجون وهاري الشخصيّة، ولا في كيف تشكّلت عوالمهم المتباينة في ظلّ اشتراطات وإكراهات الواقع الاجتماعيّ والاقتصاديّ وما يمنح أو يحجب من امتيازات. 

من ثمّ كانت إضافة بضعة تفاصيل ومشاهد أخرى كفيلة بنقل الفيلم إلى مستوى أبعد يُرينا بشكل أكثر وضوحًا وتأثيرًا كيف انتقلنا من المشهد الافتتاحيّ الحالم للحبّ في العصور السالفة إلى الأطوار المعاصرة للحبّ في ظلّ الرأسماليّة المتأخّرة. مع ذلك، يبقى لفيلم «ماديّون» جماليّاته الخاصّة، ويُحسب له تطويعه لنوعيّة أفلام الكوميديا الرومانسيّة الكلاسيكيّة ليقدّم مقاربة مختلفة لموضوع يتعلّق بأكثر جوانب الإنسان عمقًا وحميميّة.

مشاركة:
\n

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤