معركة التزكيات تربك العدالة والتنمية بجهة طنجة، والتجربة تدفع ثمن الصراع على النفوذ
لم يعد الجدل الدائر داخل حزب العدالة والتنمية حول اختيار مرشحيه في دائرة طنجة أصيلة، وإقليم تطوان، مجرد احتكاك تنظيمي عابر يمكن احتواؤه داخل الغرف المغلقة.
ما يجري اليوم أقرب إلى سجال سياسي مفتوح يكشف أن معركة التزكيات داخل الحزب تجاوزت سؤال الأسماء إلى سؤال أعمق، من يملك الحق في تمثيل الحزب، وبأي معيار، ولأي مرحلة.
في ظاهر النقاش، يبدو الأمر متصلا بمفردات مألوفة في كل الأحزاب، التشبيب، تمكين النساء، تجديد النخب، وإعطاء الفرصة لوجوه جديدة.
لكن خلف هذه العناوين اللامعة يتحرك توتر آخر أكثر حساسية، يتعلق بإحساس متنام داخل جزء من القاعدة والقيادات بأن خطاب التجديد صار يستعمل، في بعض الحالات، كأداة لإعادة ترتيب النفوذ، لا كخيار سياسي ناضج لإعادة بناء الحزب.
من هنا يبرز اسم مريمة بوجمعة بوصفه عنوانا لهذا السجال لا مجرد تفصيل داخله. فالحديث لا يتعلق بعضو عابر أو اسم هامشي، بل ببرلمانية سابقة عن إقليم تطوان، ونائبة سابقة لرئيس مجلس النواب، ووجه نسائي راكم حضورا داخل الحزب ومؤسساته.
حين يصبح اسم بهذا الوزن في قلب الجدل، فإن النقاش يفقد طابعه الإجرائي البسيط، ويتحول إلى رسالة سياسية داخلية عن الطريقة التي يراجع بها الحزب ذاكرته، ويعيد بها ترتيب أولوياته.
التدوينات المتداولة في محيط الحزب، ومنها ما صدر عن أسماء محسوبة على دائرته المحلية بطنجة، ومن بينهم مصطفى بن عبد الغفور، لا تعترض في جوهرها على مبدأ التشبيب أو على حضور النساء.
الاعتراض يتركز على الكيفية التي يجري بها توظيف هذين الشعارين. فحين يتحول التجديد إلى عنوان لإزاحة أصحاب التجربة، في إشارة إلى أسماء من قبيل محمد خيي، وحين يصبح تمكين النساء أو فتح الباب أمام وجوه جديدة مدخلا لإعادة رسم موازين القوى داخل التنظيم، فإن الخطاب يفقد براءته ويصبح جزءا من الصراع لا من الحل.
وهنا تحديدا تتكشف طبيعة الأزمة. لأن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بمن سيترشح، بل بما إذا كانت معايير الاختيار نفسها ما تزال تحظى بالإقناع الداخلي.
بعض الكتابات ذهبت بعيدا وهي تتحدث عن نعومة شكلية تخفي إبعادا خشنا وميتا لمناضلين راكموا حضورا سياسيا ومؤسساتيا. وهذه ليست مجرد لغة انفعالية. إنها لغة تشي بأن الثقة في المسطرة نفسها بدأت تهتز، وأن جزءا من الحزب لم يعد يرى في ما يجري منافسة عادية، بل فرزا داخليا يجري تحت عناوين تجميلية.
الأهم أن هذا السجال يأتي في لحظة دقيقة من عمر العدالة والتنمية. فالحزب الذي خرج من زلزال 2021 مثقلا بالخسارة والتراجع، لم يحسم بعد طريق عودته.
هل يستعيد موقعه عبر الاستناد إلى مخزونه البشري والسياسي، أم عبر إنتاج واجهات جديدة تستجيب لتحولات الصورة والطلب الانتخابي. في دائرة مثل طنجة أصيلة، هذا السؤال لا يبقى نظريا.
هنا يصبح الاختيار محكوما بحسابات ثقيلة، لأن الدائرة حساسة، والمنافسة فيها تحتاج إلى أكثر من مجرد شعار. تحتاج إلى مرشح يملك حضورا شعبيا، وتجربة مؤسساتية، وقدرة على إدارة معركة انتخابية معقدة.
لهذا يبدو اسم مريمة بوجمعة محملا بدلالات تتجاوز بعدها الشخصي. فهي تمثل تجربة نسائية يصعب اختزالها في منطق التناوب السريع على الوجوه.
كما أن ارتباطها بعائلة حزبية ذات امتداد تنظيمي، في ظل الإشارة إلى أن زوجها كان كاتبا جهويا سابقا، يجعل أي نقاش حول موقعها أو تراجعها جزءا من إعادة توزيع النفوذ داخل الحزب في الجهة. هنا لا يعود الأمر متعلقا فقط بحق فرد في الترشح، بل بموقع شبكة كاملة من التراكم التنظيمي داخل موازين الحزب الجديدة.
لكن ما يضفي على هذا الجدل بعده الأخطر هو أن النقد الموجه للمسار الحالي لا يقف عند حدود الأسماء. إنه يطعن ضمنيا في فكرة التعدد الداخلي التي طالما قدمها الحزب باعتبارها أحد عناصر قوته.
فحين يشعر بعض من داخله بأن الكفاءات الصامتة، أو الوجوه ذات الامتداد في المشهدين الاقتصادي والاجتماعي، لم تعد تجد وزنها في معادلة الاختيار، يصبح السؤال المطروح هو ما إذا كان الحزب ما يزال يدير اختلافه الداخلي بمنطق التنظيم، أم أنه انزلق إلى منطق دوائر القرار الضيقة.
في هذا المعنى، ما يجري داخل العدالة والتنمية بطنجة أصيلة يبدو أقرب إلى أزمة تعريف للشرعية التنظيمية. الحزب الذي بنى جزءا من قوته في السابق على الانضباط، وعلى تماسك العلاقة بين السياسي والتنظيمي، يجد نفسه اليوم أمام نقاش علني حول العدالة في التزكية، وحول ما إذا كانت القواعد التي تحكم الاختيار ما تزال مقنعة حتى لمن يفترض أنهم حراسها الطبيعيون.
ما يكشفه هذا السجال، في النهاية، هو أن العدالة والتنمية لم يصل بعد إلى صيغة متوازنة بين التجديد والتراكم.
وهذه هي عقدته الحقيقية. لأن الحزب الذي يبالغ في حماية ذاكرته يغامر بالجمود، والحزب الذي يندفع إلى تجديد سريع وغير محسوب يغامر بقطع صلته بأحد أهم مصادر قوته، أي خبرته المتراكمة. وبين هذين الحدين، تبدو معركة الترشيحات الحالية أكثر من مجرد تنافس على المقاعد.
إنها معركة على صورة الحزب المقبلة، وعلى الكيفية التي يريد أن يقدم بها نفسه لناخبيه ولأعضائه في آن واحد.
لهذا لا يبدو السجال الجاري مجرد خلاف عابر سيهدأ مع إعلان الأسماء النهائية. فالأسماء هنا ليست سوى الواجهة.
أما المعركة الحقيقية فتجري في العمق، داخل سؤال لم يحسمه الحزب بعد، كيف يجدد نفسه من دون أن يكسر ذاكرته، وكيف يفتح الباب للمستقبل من دون أن يعامل التجربة بوصفها عبئا يجب التخلص منه. وحتى الآن، لا توحي اللغة المتداولة داخل محيطه بأن هذا الجواب صار جاهزا.
بل توحي بالعكس، بأن العدالة والتنمية ما يزال يخوض، من خلال معركة الترشيحات، امتحانا أصعب يتعلق بتعريف نفسه من جديد.
ظهرت المقالة معركة التزكيات تربك العدالة والتنمية بجهة طنجة، والتجربة تدفع ثمن الصراع على النفوذ أولاً على طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة.





