معركة الفكر والوعي العام
بقلم/ المهدي الفهري
من يتنفس الثقافة لا يبحث عن السعادة في غيرها أو خارجها، ولا يشعر بالرضا والراحة إلا في أحضان المطالعة والكتب، والكتابة في حد ذاتها ليست قلمًا وورقة، بل تفكير وتدبير ورؤية وخيال وحالة من الشاعرية والعاطفية التي لا تخلو من الإبداع، وتسبغ جمالًا ورقَّة على الكلمات والأفكار، وتكشف العواطف المكبوتة، وتحاول نقلنا من العدمية إلى الحياة، ومن التعاسة إلى المتعة، لا سيما ونحن نخوض حرب وعي ودراية، وحرب ثقافة وسعة فكر.
والكاتب كالشاعر لا يختار عصره وزمانه، ولكن العصر هو الذي يختار كتّابه وشعراءه ومبدعيه، خصوصًا في زمن الانكسار النفسي الذي يخيم على قلوب البشر من حين لآخر.
وفي خضم عالم ظالم يسحق الضعفاء ويدعم غلاظ القلوب ويترك على الناس مسحة من الحزن المتشبعة بهموم الحياة التي تتصارع فيها الأقدار بين الحق والباطل وبين العذاب والأمل ويزداد معها البحث عن لحظة من لحظات الحلم الممزوجة بالترقب والانتظار والمأمولة بالفرج والفرح للتغلب على واقع بائس ومأزوم، وفي ظل مناخ اجتماعي وإنساني متقلب تتطابق فيه الكثير من الحقائق مع المزاج، ونحاول أن نرتقي فيه بوعينا من حيز ضيق للتفكير المحدود إلى واقع أكثر اتساعًا وأكثر ثقة بالمستقبل، وإلى نشوة الانتصار على الذات وإعادة طرح الطموح في زمن الإحباط للرفع من مستوى المعنويات والتخفيف من وطأة الألم والوجع، وتلك رسالة سامية يتنافس الكتَّاب على إيصالها للمتلقين، ومسؤولية أخلاقية وأدبية تقع على عاتق الكاتب وهو يخوض معركة الفكر والوعي وعبر أداء مهمته النبيلة في وسط متعدد الثقافات والمعارف، ويمزج فيها بين الإبداع الأدبي وحقيقة الأشياء، ويحاول أن يقدم ما في رؤيته من رؤى وأفكار بطابع جمالي يغازل ويلامس الواقع ويثري الحياة الثقافية عبر ألوان وأنماط أدبية متداخلة تحترم ذوق القارئ وتفرض حضورها كطريقة للتعبير والتفكير وطرح الأسئلة من خلال سلسلة متصلة من الآراء والأفكار التي سيكون لها تأثيرها الكبير وانعكاساتها النفسية على أسلوب وسلوك القراء ولو كان بطيئًا.
فالكاتب والأديب الحقيقي يتمسك بمواقفه ولا يساوم ولا يقبل بالعيش في الظل وينحاز إلى المظلومين والضعفاء ويجهر بالحقيقة ليترك بصماته الناصعة في الحياة وفي قلوب الناس لكي لا يخون رسالته ويحولها إلى مصدر للنفاق والارتزاق، وفي ذلك انحراف بائن عن نهجه ومساره، وإساءة كبيرة لثقافته وقناعاته وإبداعاته، وقد يتغير شكل الإبداع وربما ينحرف عن مساره في بعض الأحيان، ولكنه مستمر ومتواصل ولا ينقطع أبدًا.
وإذا كان الفكر نتاجًا للتفكير والوعي نتاجًا لإدراك الذات والمحيط فما أجمل أن يتم توظيفهما معًا لصقل ثقافتنا وإحياء ذاكرتنا الجماعية والنضالية في وقت غاب فيه الوعي وقل فيه المناضلون الحقيقيون.
The post معركة الفكر والوعي العام appeared first on الموقف الليبي.





