مع حلول الصيف.. تصاعد تلوث الأنهار وتحذيرات من تداعيات بيئية وصحية
بفداد/ محمد العبيدي
تصاعدت التحذيرات من التلوث الحاصل في أنهار العراق مع حلول فصل الصيف وتزايد الضغوط على الموارد المائية، بعد حادثة نهر ديالى التي تحولت خلال أيام قليلة من ظاهرة بيئية محدودة إلى أزمة امتد تأثيرها نحو نهر دجلة ومناطق واسعة جنوب شرقي بغداد، ما أعاد فتح ملف إدارة المياه والتلوث في البلاد بشكلٍ أكثر إلحاحًا.
وبدأت واقعة نهر ديالى مع ارتفاع مناسيب المياه نتيجة الأمطار وامتلاء سدي دربندخان وحمرين، ما دفع وزارة الموارد المائية إلى إطلاق كميات إضافية من المياه من سد حمرين للحفاظ على سلامة منشأ السد.
وهذه الإطلاقات المائية القوية لم تمر بشكلٍ اعتيادي، بل أدت إلى تحريك كميات كبيرة من الترسبات المتراكمة في قاع النهر، وهي ترسبات محملة بملوثات تراكمت على مدى سنوات، نتيجة تصريف مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية دون معالجة.
ومع اندفاع هذه الترسبات، تحولت مياه النهر إلى لون داكن وظهرت روائح كريهة، بالتوازي مع تسجيل حالات نفوق للأسماك في بعض المناطق، قبل أن تنتقل هذه الكتلة الملوثة مع مجرى المياه نحو نهر دجلة، لتؤثر على مناطق أوسع، من بينها مناطق الصويرة والعزيزية، وصولًا إلى بغداد.
وبما أن معظم المدن العراقية تعتمد على تصريف المخلفات ومياه الصرف الصحي بشكلٍ مباشر إلى الأنهار، فإن ما جرى في نهر ديالى لا يعد حالة استثنائية، بل يمثل نموذجًا يمكن أن يتكرر في أي وقت وفي أكثر من محافظة، وهو ما ينذر بتفاقم الأزمة وتحولها إلى كارثة بيئية أوسع.
أزمة بيئية متراكمة
بدوره، قال خبير الاستراتيجيات والسياسات المائية وتغير المناخ رمضان حمزة لـ(المدى) إن "ما حدث في نهر ديالى لا يمكن اعتباره حادثة منفصلة، بل هو مؤشر على أزمة بيئية متراكمة"، مضيفًا أن "تحرك الرواسب كشف حجم التلوث المخزن في قيعان الأنهار، نتيجة غياب المعالجة الفعالة لمياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية، وهو ما يتكرر اليوم في أكثر من نهر، وليس في ديالى فقط".
وأوضح أن "ما يحدث اليوم لا يقتصر على تدهور بيئي فحسب، بل يمتد ليهدد منظومة الأمن المائي والغذائي في البلاد، خاصة مع تضرر الثروة السمكية وتراجع جودة مياه الشرب"، لافتًا إلى أن "المشكلة لم تعد تحتمل المعالجات الجزئية أو المؤقتة، بل تتطلب رؤية وطنية شاملة تقوم على إدارة متكاملة للموارد المائية، تبدأ من ضبط مصادر التلوث، وتمر بتطوير البنى التحتية للمعالجة، وصولًا إلى تعزيز قدرة الأنهار على التنقية الذاتية عبر زيادة الإطلاقات المائية".
كما حذر مختصون من أن تأثيرات التلوث لا تقتصر على المظهر الخارجي للمياه، بل تمتد إلى تقليل نسب الأوكسجين الذائب، ما يؤدي إلى اختناق الكائنات الحية، إضافة إلى تسرب مواد سامة ومعادن ثقيلة إلى البيئة المائية، يمكن أن تتراكم داخل الأسماك وتنتقل إلى الإنسان عبر الاستهلاك، ما يرفع من المخاطر الصحية على المدى المتوسط والبعيد.
غياب محطات المعالجة
من جهته، قال الخبير في المجال المائي تحسين الموسوي لـ(المدى) إن "الأزمة الحالية ترتبط بشكلٍ مباشر بضعف قدرات محطات المعالجة، التي لا تستوعب حجم المياه المطروحة يوميًا".
وأضاف الموسوي لـ(المدى) أن "مدخلات المياه الثقيلة في بغداد تصل إلى ملايين الأمتار المكعبة يوميًا، في حين أن القدرة الفعلية للمعالجة أقل بكثير، ما يعني أن كميات كبيرة من الملوثات تُلقى في الأنهار دون معالجة، وهو ما يتراكم مع الزمن ويظهر عند حدوث أي زيادة في الجريان".
ويضع هذا الواقع الأنهار العراقية – وفق مختصين – أمام تحدٍ كبير، يتمثل من جهة في شح المياه وتراجع الإطلاقات، ومن جهة أخرى في تصاعد مستويات التلوث، وهو ما يقلل من قدرة الأنهار على التنقية ويزيد من تركز الملوثات.
The post مع حلول الصيف.. تصاعد تلوث الأنهار وتحذيرات من تداعيات بيئية وصحية appeared first on جريدة المدى.