ما وراء الشاشة المضيئة
•كان للظلام قديماً هيبة، وللسكون رونق.
•كنا نعرف كيف نمشي في عتمة الليل دون أن نفزع، وكيف نصغي إلى صرير الباب القديم فنعرف أن للبيت روحاً.
•لكننا، في طفرة الضوء، استبدلنا القمر بالمصباح، ثم استبدلنا المصباح بالوميض الأزرق الذي لا ينطفئ.
هذا الخبر من صحيفة الوطن السعودية. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
كان للظلام قديماً هيبة، وللسكون رونق. كنا نعرف كيف نمشي في عتمة الليل دون أن نفزع، وكيف نصغي إلى صرير الباب القديم فنعرف أن للبيت روحاً. لكننا، في طفرة الضوء، استبدلنا القمر بالمصباح، ثم استبدلنا المصباح بالوميض الأزرق الذي لا ينطفئ. صرنا نمدد أعيننا إلى ما لا نهاية، كمن يبحث عن شاطئ في محيط عاتٍ، غير عالم أن الشاطئ كان خلفه طوال الوقت.ما إن اخترعنا الضوء الكهربائي، حتى امتدت ساعات اليقظة إلى ما بعد الغروب، وكأننا أعلنا تمردنا على دورة الكون، وقررنا أن نصنع شمساً صغيرة في كل بيت. ثم جاءت الشاشة، تلك النافذة المضيئة التي ابتلعت ما تبقى من صمتنا، وما تبقى من ظلالنا.لم ننتبه أن الترفيه القديم كان له باب خروج.الفيلم ينتهي، والمسرحية يسدل ستارها، والمباراة يطلق فيها الحكم صافرته.أما اليوم فالستار لا ينزل. والجمهور لا يغادر المقاعد. والتصفيق مستمر حتى لو لم يعد هناك عرض.لأن العرض الحقيقي لم يكن ما تشاهده.العرض الحقيقي كان أنت... وأنت تشاهد.لقد اكتشف تقنيوا وادي السيليكون أن أغلى ما في الإنسان ليس ذهبه الأصفر ولا نفطه الأسود أو أرضه الخصبة.أغلى ما فيه: ثانية انتباهه.فصاروا يتاجرون بها.يبيعون الثانية للمعلن. ويبيعون الدقيقة للشركة. ويبيعون الساعة لنفسك التي ستكتشف في آخر الليل أنك لم تفعل شيئاً.ولكي يشتروا منك وقتك بأرخص ثمن، علموك أن تبيعه مجاناً.علموك أن «التمرير» متعة. وأن «الإعلان» خبر عاجل. وأن «اللايك» شهادة تقدير.فصرنا موظفين بلا عقد. دوامنا أربع وعشرون ساعة. ومهمتنا: أن نبقى. لا ننتج. لا نبني. فقط نبقى.هندسة هذا الغرق ليست صدفة، بل علم نفسي دقيق، كل إشعار طارئ، كل إعجاب خاطف، كل فيديو يبدأ تلقائياً هو قطرة سكر تطلق في شراييننا جرعة من الدوبامين، تجعلنا في لهفة دائمة على الجرعة التالية.لقد صممت هذه التطبيقات بأيدي خبراء يعرفون نقاط ضعفنا أكثر مما نعرفها نحن عن أنفسنا، ويستغلون حاجتنا الفطرية للانتماء والتقدير والشعور بالأهمية.الشاشة لا تحب الإنسان الذي يسأل لماذا.الذي يمل فيغلق.الذي يصمت فيفكر.الذي يبدأ مشروعاً ويحتاج خمس سنوات.هذا الإنسان خشن. يستهلك قليلاً. ولا يولد ضجيجاً.أما الإنسان الناعم، فهو الذي يضحك كل سبع ثوانٍ، ويغضب كل دقيقة، ويشتري لينسى الملل الذي سببه له الملل نفسه.هذا الإنسان حرير. يمر عبر الخوارزمية بسهولة.فصمموا لنا عالماً بلا حواف.بلا ملل. بلا صمت. بلا انتظار.حتى نسينا أن الأشياء العظيمة كلها كانت تنبت بصبر وتأنٍ.وأخطر ما فعلته الشاشات أيضا أنها قتلت الغد.لم تقتله بالرصاص. قتلته بالاختصار.لا داعي لقراءة كتاب. خذ ملخص دقيقة.لا داعي لتعلم مهارة. خذ تحدي ثلاثين يوماً.لا داعي لحلم بعيد. خذ هدفاً ينتهي قبل أن ينتهي الفيديو.فانكمش الزمن. وتقزم الحلم.وصار المستقبل مجرد «المقطع التالي».فإذا كان الغد هو المقطع التالي... فلماذا نخطط؟ولماذا نصبر؟ولماذا نتألم من أجل شيء لا نراه؟وهكذا صرنا نعيش في «حلقة الآن».نستيقظ فنمرر، نضحك فنمرر، نحزن فنمرر، ننام ونحن نمرر.دون ذنب يلاحقنا، ودون حلم يجرنا إلى الأمام، ودون قصة تنتظر أن نحياها.صحيح أن الترفيه الرقمي لم يمنعنا أن يكون لنا هدف.لكن جعل لنا ألف هدف صغير.أهدافاً تلمع ثم تطفأ. فنجري وراء التي تليها.كمن يجري في جهاز مشي: يعرق، ويتعب، ويظن أنه قطع مسافات... وهو في مكانه.رغم ذلك، هناك ثغرة في جدار هذه القلعة الرقمية، شقٌ يمر منه نور. تلك اللحظة التي يسقط فيها الهاتف من يدك فجأة، أو تنفد البطارية في عز الغفلة، أو تطغى ضجة الحياة الواقعية على همس الشاشة الشفاف. في تلك الهوة القصيرة، بين نبضة ونبضة، يعود نبض الحياة الحقيقي. تعود رائحة المطر وهي تطرق ذاكرتك القديمة، وشغب الطيور عند الفجر كأنها ترنم نشيداً للبدايات، وثقل الكتاب الورقي بين أصابعك، ذلك الثقل الذي يذكّرك بأن للأشياء وزناً لا يُقاس بالميجابايت. تعود تلك المساحة المقدسة التي كنا نملؤها بالتأمل والحلم، تلك الحديقة السرية التي ردمناها خوفاً من الفراغ، وهي وحدها التي بقيت تنتظر.المصدر: صحيفة الوطن السعودية | Source: صحيفة الوطن السعودية
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة صحيفة الوطن السعودية. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by صحيفة الوطن السعودية. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.




