ما خيارات فنزويلا بعد اختطاف الرئيس؟
ترجمة بتصرّف لحوار منشور في مجلة جاكوبين بالإنجليزية في 4 كانون الثاني 2026.
فجر السبت، شنّت الولايات المتحدة عدوانًا على جمهورية فنزويلا، استهدفت عبره عددًا من المطارات والموانئ والمواقع المدنية والعسكرية، كما اختطفت الرئيس نيكولاس مادورو.
في هذا الحوار مع الدبلوماسي الفنزويلي السابق كارلوس رون، والذي عمل كأحد المفاوضين الرئيسيين للحكومة مع الولايات المتحدة خلال سنوات من العقوبات والمواجهات الدبلوماسية، نرى كيف يقرأ الجمهور والقوى المختلفة في فنزويلا هذه الأحداث، وكيف يبدو المشهد اليوم في البلاد ومنطقة الكاريبي.
جاكوبين: كارلوس، هل يمكنك أن تقدم نفسك للقراء؟
كارلوس رون: أنا اليوم باحث ومحلل جيوسياسي مستقل، لكنني عملت سابقًا في السلك الدبلوماسي الفنزويلي. مثّلتُ فنزويلا في البرازيل والولايات المتحدة، وشغلت منصب نائب وزير الخارجية لشؤون أمريكا الشمالية من أيّار 2018 إلى كانون الثاني 2025.
قبل ذلك، عشتَ ودرستَ لفترة طويلة في الولايات المتحدة. أخبرنا كيف انخرطت في الثورة البوليفارية التي قادها الرئيس الراحل هوغو تشافيز، وما الذي تعنيه لك؟
تساعدك الحياة كمهاجر في الولايات المتحدة على بناء وعي طبقي، وعلى فهم عدم المساواة، وعلى أن تطمح لتحقيق العدالة الاجتماعية.
تمتلك الولايات المتحدة تاريخًا غنيًا من النضالات التي يمكن أن تكون مُلهِمة للغاية وتشكل أيديولوجية سياسية تقدمية. اندلعت الثورة البوليفارية بينما كنت أدرس هذه الأفكار السياسية، لذلك بدا من المنطقي جدًا أن أنضمّ للمشروع الذي دعا إلى صياغة دستور جديد في فنزويلا وإلى تجذير الديمقراطية، وأن أشارك في الجهود الجماعية لتغيير المجتمع.
وقفَ جدي في وجه الديكتاتورية الفاشية لماركوس بيريز خيمينيز المدعومة من الولايات المتحدة. كان نداء تشافيز متوافقًا مع تاريخي الشخصي، كما كان متوافقًا مع التقاليد الراديكالية للولايات المتحدة -أفكار مارتن لوثر كينغ جونيور ومالكولم إكس-، ومع فكرة ضرورة إنهاء معاناة الفقراء، سواء في جنوب برونكس [في الولايات المتحدة] أو بارلوفينتو في فنزويلا.
ما هو وضع السلطة التنفيذية في فنزويلا اليوم، وكيف يتم اتخاذ القرارات في خضمّ الهجوم العسكري؟
في مساء الثالث من كانون الثاني 2026، قضت المحكمة الدستورية التابعة للمحكمة العليا الفنزويلية أنه في ضوء اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو من قبل القوات العسكرية الأمريكية، يجب أن تؤدي نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز اليمين رئيسة مؤقتة للبلاد من أجل ضمان استمرارية الإدارة والدفاع عن الأمة. واليوم بقي جميع أعضاء مجلس الوزراء وقادة القوات المسلحة وقيادات حكومات الولايات في مناصبهم.
نيكولاس مادورو، هو الرئيس الشرعي لفنزويلا، واختطافه لن يحدث تغييرًا في النظام.
في ظل الوضع الراهن، ما القطاعات الحيوية التي لا زالت تعمل بشكل طبيعي، وأيها تعرض لتعطيل واضح، سواء في مجالات الاتصالات، أو الطاقة، أو النقل، أو إدارة الدولة؟
معظم أنحاء البلاد تعمل بشكل طبيعي؛ الاتصالات لا تزال تعمل، ووسائل الإعلام العامة والخاصة والمجتمعية تعمل بشكل طبيعي. وردت تقارير من المناطق المتضررة من الهجمات الأمريكية عن انقطاع التيار الكهربائي. وتعرضت مطارات لا كارلوتا وتشارالافي لضربات. من المقرر استئناف الرحلات الجوية التجارية في المطارات الرئيسية في البلاد. أود أن أقول إنه، بصرف النظر عن اختطاف الرئيس، لا يزال الحكم قائمًا في الغالب ولم يتأثر.
ما الموقف السياسي للجيش الفنزويلي في الوقت الحالي؟
كما أعرب وزير الدفاع خلال ليلة الهجوم، حُشِدَت القوات المسلحة الفنزويلية دفاعًا عن الأمة، في مواجهة العدوان العسكري الأمريكي واختطاف الرئيس. أظهر الجيش وحدة وتماسكًا ملحوظيْن في مواجهة العدوان الخارجي. الأمة بشكل عام في حالة من الهدوء والطبيعية.
يقول النقاد إن المشروع البوليفاري يعتمد اليوم على الإكراه أكثر من كونه معتمدًا على السيادة الشعبية. ما الذي يمكنك أن تشير إليه لإثبات أن ثمّة دعمًا حقيقيًا للحكومة الفنزويلية؟
روّج لهذه الرواية أولئك الذين لم يتمكنوا من الحصول على الدعم الشعبي لمشروعهم السياسي النيوليبرالي والمحافظ على مر السنين. ويرجع ذلك إلى التأثير الهائل الذي أحدثته الثورة البوليفارية في التغلب على الفقر والاستبعاد السياسي والحرمان من الحقوق.
إذا أمكننا إجراء مقارنة، فإن المشروع البوليفاري للجماهير الفنزويلية المهمشة كان له نفس التأثير الذي أحدثته الصفقة الجديدة وحركة الحقوق المدنية على السكان المحرومين من حقوقهم في الولايات المتحدة في القرن العشرين. غالبًا ما حاولت المعارضة المتطرفة التغطية على إخفاقاتها السياسية باتهامات للثورة بالقمع، ولكن في الواقع، يحظى المشروع البوليفاري بشعبية واسعة بين الأغلبية في فنزويلا بسبب خصائصه المباشرة والتشاركية.
يشعر الناس أن لديهم مساحة مباشرة للتعبير عن إرادتهم، وتحديد أولويات السياسات العامة التي تؤثر عليهم، والتأثير على صنع القرار. في الوقت نفسه أظهرت المعارضة مرارًا وتكرارًا افتقارها إلى القدرة على تعبئة الجماهير. ومن المثير للاهتمام أنه حتى في ظلّ اختطاف الرئيس، لا تزال المعارضة عاجزة عن حشد أي قوة كبيرة. بل على العكس، امتلأت شوارع فنزويلا بمؤيدي الحكومة وبالرافضين للتدخل الأجنبي.
كيف تنظر إلى أولئك الذين يعارضون التدخل الأمريكي في فنزويلا، ولكنهم كذلك ينتقدون سجل الحكومة الفنزويلية الديمقراطي وكذلك على مستوى إدارتها للاقتصاد؟
أحيي وطنيتهم لمعارضتهم التدخل الأمريكي. لا يمكن لأحد أن يحب بلده ويطلب تدخلًا أجنبيًا؛ فهذا تناقض جوهري. يجب حلّ الخلافات التي قد تكون بيننا حول السياسة الاقتصادية أو القضايا السياسية الأخرى سلميًا وداخليًا بين الفنزويليين، وليس من قبل جهات أجنبية.
كيف تنظر إلى الوضع الاقتصادي في فنزويلا على مدى العقد الماضي الذي شهد عقوبات أمريكية وحصارًا اقتصاديًا طويلًا، وهل تعتقد أن الحكومة ارتكبت أخطاء اقتصادية حقيقية أيضًا؟
أكبر مشكلة اقتصادية تواجه فنزويلا اليوم هي العقوبات الأمريكية المفروضة منذ عام 2015، لا سيما تلك المتعلقة بصناعة النفط. في مرحلة ما، كانت الخسائر التي تكبدتها هذه الصناعة هائلة: على سبيل المثال، انخفض الدخل المتأتّي من النفط عام 2020 بنسبة 90٪ عما كان عليه في عام 2014. ومع ذلك، اتخذت حكومة الرئيس مادورو تدابير إنعاش أظهرت نموًا اقتصاديًا بنسبة 9٪ بحلول نهاية عام 2025، وفقًا للجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي التابعة للأمم المتحدة (ECLAC). وهذا يعني أن الاقتصاد الفنزويلي سجل نموًا خلال الأرباع العشرين الماضية المتتالية.
حققت فنزويلا ذلك من خلال إنشاء أربعة عشر قطاعًا إنتاجيًا، والتي تطورت بسرعة بسبب الضرورة الناجمة عن نظام العقوبات. على سبيل المثال، توسع قطاع إنتاج الأغذية، وهو القطاع الذي كان معتمدًا بشكل كبير على الواردات في الماضي، إلى درجة أن فنزويلا تنتج الآن أكثر من 80٪ من احتياجاتها الغذائية.
أين نجحت العملية البوليفارية في بناء سلطة شعبية دائمة، وأين فشلت؟
أعتقد أن أكبر إنجاز للثورة وأكثرها ديمومة هو الكوميونات،[1] والتي عنت مشاركة ديمقراطية مباشرة في مناطق إقليمية محددة. ومع ذلك، لم تكن جميع الأراضي الفنزويلية تتمتع بالظروف الملائمة لتطوير الكوميونات بشكل متساوٍ. فقد جعلت الظروف الجغرافية والثقافية والإنتاجية من الصعب بناء مشاريع كوميونية ناجحة في أجزاء معينة من البلاد. أعتقد أن هذه الظروف لا تزال قابلة للتحقق؛ لكن تطويرها مسألة وقت.
إذا كانت هذه الأزمة ستؤدي إلى تجديد المشروع البوليفاري بدلًا من هزيمته، فما هي مصادر التجديد داخل فنزويلا؟
أرى أن هذه الأزمة ستُبرز الحاجة الملحة لتعميق مسار الكوميونات، وضمان قدرتنا كأمة على الدفاع عن أنفسنا ضد العدوان الخارجي والتبعية للأجنبي. برأيي، كانت الكوميونات تسير بخطى ناجحة وثابتة نحو التغلب على البيروقراطية وضمان الترابط بين مكوناتها. ولا شك أن هذا المسار سيكتسب زخمًا جديدًا جراء هذه الأزمة؛ فكلما زاد تماسك ورسوخ العملية الكوميونية، تمكنّا من ضمان ديمومتها واستحالة التراجع عنها.
بالنظر إلى أمريكا اللاتينية ككل، هل ترى في هذا الهجوم إشارة إلى أن تسامح الولايات المتحدة مع حكم اليسار في المنطقة قد انتهى؟ ما عواقب ما حصل على الحكومات الاجتماعية الديمقراطية في البرازيل وكذلك على الثورة الكوبية؟
ما يحصل اليوم هو مشروعٌ من الولايات المتحدة لإعادة تأكيد هيمنتها على ما اعتبرته تاريخيًا مجال نفوذها. اعتبر «مشروع 2025» التابع لحركة MAGA (لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) «إعادة ترتيب نصف الكرة الغربي» ضرورة لضمان سلاسل التوريد والهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة. كما اعتبرت استراتيجية الأمن القومي الصادرة مؤخرًا أن إعادة صياغة «مبدأ مونرو» ضرورية لضمان السيطرة الأمريكية على الموارد الاستراتيجية للمنطقة. في ظل هذا السيناريو، يبدو أن واشنطن ستحاول سحق المشاريع المستقلة غير المتوافقة مع أهدافها. لقد رأينا التدخل في الانتخابات في الأرجنتين وهندوراس. ورأينا تهديدات وإكراهًا حتى ضد المشاريع التقدمية غير الراديكالية كما هو الحال في كولومبيا أو البرازيل أو المكسيك. أما المشاريع الأكثر ثورية مثل فنزويلا وكوبا فهي أهداف مباشرة للعدوان.
ما هي آليات التنسيق الإقليمي بين الأحزاب اليسارية والنقابات والحركات الاجتماعية في أمريكا اللاتينية؟
تحتاج المنظمات الاجتماعية والشعبية في المنطقة إلى إجراء حوار واسع النطاق حول الأجندة الجماعية الأساسية. في فنزويلا، كانت هناك مبادرة «البديل الاجتماعي العالمي» في 2023 و2024، والتي كانت محاولة لبناء مثل هذه الأجندة. يجب أن يتجاوز جزء من هذا الحوار الانقسامات، ويجب أن يتضمن حلولًا عملية للمشاكل اليومية لشعوبنا؛ ويجب أن يقف متضامنًا ومدافعًا عن المشاريع التغييرية والثورية في كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا؛ ويجب أن يبني الأسس لهوية ثقافية مشتركة لليسار.
بعد خمس سنوات من الآن، ما الذي ستعتبره تجديدًا للثورة البوليفارية، وما الذي ستعتبره -إن حصل- هزيمة لها؟
بعد خمس سنوات، سيكون التجديد عبارة عن كوميونات أقوى، وتفاعل أفضل بين المنظمات الشعبية والمؤسسات الحكومية، ودولة أكثر سيادة واستقلالية. أما الهزيمة فستكون العودة إلى النيوليبرالية والنفوذ الأمريكي.
ذكرت أنك، رغم صعوبة اللحظة، لست ملتزمًا سياسيًا فحسب بل ومتفائل أيضًا. ما الذي يبعث فيك هذا الأمل؟
متفائل بأن هذه اللحظة ستدفع اليسار اللاتيني إلى مزيد من التماسك. إنها ليست لحظة سهلة، فالكثيرون في اليسار يشعرون بالإحباط من صعود اليمين المتطرف، لكنني أثق بأن الظروف الصعبة ستكون قوة دافعة.
أعتقد أن الثوريين يجب أن يمارسوا التماسك السياسي. إذا كنت تحارب الظلم عندما تكون الظروف سهلة، فيجب أن تكون مستعدًا لمحاربته أيضًا عندما تكون الظروف صعبة للغاية.
أنا مؤمن بالدبلوماسية؛ أعتقد أن التحدث بصراحة واحترام يمكن أن يحقق نجاحًا لا يمكن تصوّره، ولهذا السبب سأختار دائمًا الدبلوماسية قبل أي نوع من المواجهة. كما أنني ملتزم بالثورة لأنني أعلم أن عالمًا أفضل ممكن. لقد رأيته يحدث في فنزويلا تشافيز، ورأيته يتعرض للهجوم بعد انتخاب مادورو.
الاشتراكية ليست يوتوبيا بالنسبة لي؛ كانت شيئًا حقيقيًا. صعب البناء، لكنه حقيقي. لقد عشت في ظل النضال من أجل بناء الاشتراكية، وأريد أن أرى نجاحها. أكبر تهديد في العالم لهذا الأفق هو الإمبريالية الأمريكية، خاصة الآن وهي في مرحلة أكثر يأسًا وخطورة. الإمكانية الوحيدة التي يمكننا من خلالها إنقاذ الكوكب وبناء العدالة الاجتماعية هي هزيمة الإمبراطورية.
-
الهوامش
[1] الكوميونات في فنزويلا هي مجالس محلية منتخبة على مستوى الأحياء، تتولى وضع السياسات والمشاريع المحلية والإشراف عليها بهدف تنمية المجتمع.





