ما بين العَبرة والعِبرة: الحِداد..الحزن.. التهجير.. الإبادة!
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
يوافق يوم 21 أيار/ مايو من كل سنة "يوم الحِداد الشركسيّ"، أو "يوم الحزن" أو "ذكرى التهجير" أو "ذكرى الإبادة".. تعددت الأسماء والوجع واحد!
في مثل هذا اليوم قبل (162) سنة، في العام 1864، تمّ الإعلان رسميّاً عن انتهاء الحرب الاستعماريّة التي شنتها روسيا القيصريّة لاحتلال كامل منطقة القوقاز وصولاً إلى البحر الأسود، وذلك بعد أكثر من مئة عام من النضال البطوليّ الذي خاضه الشراكسة وسائر أشقائهم من الشعوب القوقازيّة دفاعاً عن وطنهم الأم، وذوداً عن تخوم الدولة الإسلاميّة التي لم تكن عُراها قد انفكّت ونظامها قد قُوّض بعد.
ومنذ ذلك التاريخ ابتدأ فصل جديد من التهجير والشتات ليضيف إلى ويلات وأهوال الحرب ويلات وأهوال جديدة.
إحياء مثل هذه المناسبات (إذا صحّ تسميتها مناسبة!) هي مسألة أساسيّة وحيويّة وحساسة بالنسبة للأمم والشعوب، خاصّة الأمم والشعوب الصغيرة نسبيّاً وذات الخصوصيّة القوميّة والثقافيّة، لكي تبقى جذوة حقّها التاريخي وانتمائها وأصالتها وهويّتها حيّة ومتقدة في قلوب ووجدان الأجيال المتعاقبة.
ولكن ما هي الطريقة الأنسب لإحياء مثل هذه "المناسبات"؟!
هناك "الرمز"، وهناك "تمثُّل الرمز"، أي الكيفيّة التي تعبّر فيها جماعة بشريّة معيّنة في نقطة معطاة من الزمان والمكان عن رموزها.
قد يبدو هذا الكلام متنطّعاً، ومتقّعراً، و"مفزلكاً"، ولا يتناسب مع طبيعة "المناسبة وحميميّتها واحتداميّتها، ولكنّه كلام مهم، من الناحيّة المعرفيّة على الأقل، وينضوى على محاذير حرجة فيما يتعلّق بوعي الأجيال ومفاعيل هذا الوعي على المدى البعيد، بكوننا نعيش هذه الأيام في طور أو مرحلة أو زمن ما يُسمّى "مجتمع الاستعراض" بحسب "جي ديبور"، و"السيولة" بحسب "زيغمونت باومن"، و"أفول الواجب" بحسب "جيل ليبوفتسكي"، وهيمنة "مرجعيّة "المصنع/ السوق" بحسب "عبد الوهاب المسيري"، و"طغيان الاستهلاكيّة" بحسب "إدوارد سعيد".
ومن تبعات هذه العوامل مجتمعةً سيطرة عقلية "الفعاليّة" التي تصبح غاية نفسها، وضرباً من "طقس" شكلانيّ برانيّ تطهّري منزوع الجوهر، و"الخطاب" الذي يلعب على وتر العواطف والمشاعر لا على منطق العقل، ويستمد شرعيّته من "مزاودته"، ووجاهته وصلاحيّته من مدى قابليّته للاستهلاك والتداول عبر الفضاء التواصليّ!
ما العمل إذن؟
يقول "البوطي" رحمه الله: "إنّ التاريخ ليس ملكاً إلّا للزمن الذي ولد فيه، لا يورث أمجاداً ولا انحطاطاً وإنّما يورث شيئاً واحداً فقط هو العِبرَة"!
هذه هي أفضل طريقة للتعامل مع أحداث التاريخ وفواجعه: أخذ العبرة!
لو تأمّلنا مليّاً في مُصاب الأمّة الشركسيّة فيما خاضته من حروب، وتعرّضت له من تنكيل، ولحق بها من تهجير، وألمّ بها من شتات.. لخلصنا إلى أربع عِبَر لا يستطيع أن ينكرها عاقل:
أولاً: الضريبة الكبيرة التي يمكن أن تدفعها الشعوب والأمم جرّاء الانقسام والتشرذم.
ثانياً: الضريبة الكبيرة التي يمكن أن تترتب جرّاء الطاعة العمياء للسلطة و"الكبار" وأهل الحلّ والعقد الذين قد تكون لهم حساباتهم الخاصة، ومصالحهم الخاصّة، أو ببساطة قد يخطئون ويسيئون التقدير شأنهم شأن أي إنسان آخر.
ثالثاً: الضريبة الكبيرة التي يمكن أن تترتب جرّاء قبول الشعوب والأمم الصغيرة بأن تكون ورقةً وساحةً ومادةً لحروب الأمم والدول والإمبراطوريّات الكبرى على المصالح والنفوذ والهيمنة.
رابعاً: الضريبة الكبيرة التي يمكن أن تترتّب جرّاء الانغلاق على النفس من حيث ضمور الذات القوميّة، واضمحلالها، وتآكلها شيئاً فشيئاً، واستنفادها لنفسها.. أو على النقيض، تحوّلها لضرب من التعصّب و"الشوفينيّة" عند استشعارها الضعف وعدم النديّة وانسراب الزمن من بين أصابعها.
ما الذي يدفعني كشركسيّ لمثل هذا الكلام؟
ككاتب وشاعر من السهل عليّ أن أخطّ "لطميّةً" مترفة تحظى بالقبول والإعجاب والرواج على شكل نصّ أو قصيدة ملؤهما الأسى والفجيعة والعَبرات (الدموع) والافتخار والتحدّي والسؤدد في آن واحد.. ولكن هل أكون بهذا قد أوفيتُ "بحقّ الدم" الذي يتشدّق به بعض الشعبويّون؟!
أليست شركسيّة المرء وفق ما تُملي عاداته وتقاليده ودماء وتضحيات أجداده هي ما تحتّم عليه أن يقول دائماً ما يؤمن أنّه حقيقة وصواب؟!
المثل العربيّ يقول: الصديق مَن صَدَقني لا مَن صدّقني.. فكيف لا أصْدُقُ إخوتي أبناء جلدتي وكيف لا أصْدُق نفسي؟!
فرقٌ كبير بين الكبرياء والمكابرة.
في روايته الأيقونيّة "البذرة الأخيرة/ آخر المهجّرين" اتخذ "باغرات شينكوبا" من المَثَل الأبخازيّ عنواناً فرعيّاً يلخّص "المورال" من وراء روايته: "مَن فقدَ الوطن فقدَ كلّ شيء"!
الكبرياء هو ما يحافظ على الوطن حيّاً في القلوب ولو على بعد آلاف الأميال وعشرات السنين.. ولكن المكابرة هي مقتلٌ للأوطان تجعل من المثل أعلاه نبوءة ناجزة وحقيقة ماثلة!
عاش الوطن ما دام في الصدور قلوب تنبض وفي العروق دماء تسري.. والرحمة والخلود لشهداء الأمّة الشركسيّة الأبطال.. والحمد لله من قبل ومن بعد على ابتلائه، وعلى نعمتي الإسلام والضاد.




