ما بعد هرمز.. الهدنة الهشة وتداعياتها
بقلم /عبدالفتاح الشريف
إعادة فتح مضيق هرمز أنهت مرحلة من الاضطراب الحاد في أسواق الطاقة، وخففت الضغط الفوري على سلاسل الإمداد العالمية. غير أن طبيعة الهدنة الهشة تعني أن العالم لم يعد يتعامل مع المضيق بوصفه ممرًا مضمون الاستقرار، بل باعتباره نقطة اختناق استراتيجية يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط جيوسياسي في أي لحظة، لأن التحولات الحقيقية لا تكمن في حركة السفن، بل في إعادة صياغة الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية لدى المنتجين والمستهلكين.
من المتوقع أن تدفع تداعيات الأزمة -في المدى الطويل- الدول المصدرة للنفط في أفريقيا والخليج وفي كازاخستان وأذربيجان على تبني إدارة المخاطر كجزء من سياستها المالية، حيث أكدت التقلبات الحادة في أسعار النفط وارتفاعها أثناء الحرب على إيران ثم انخفاضها السريع بعد فتح المضيق أن الإيرادات النفطية أصبحت رهينة للصدمات السياسية، الأمر الذي يتطلب اعتماد موازنات أكثر تحفظ مع التوسع في استخدام أدوات التحوط المالي والاستعانة بصناديق الثروة السيادية كأدوات استقرار.
كما يتوقع أن تسارع الدول الخليجية إلى الاستثمار في البنية التحتية البديلة، حيث أعادت الأزمة التأكيد على أهمية خطوط الأنابيب وربطها بموانئ خارج هذه الدول، وذلك لأن الأمن اللوجستي لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة سيادية مهما ارتفعت تكلفته.
ولعل من أهم الدروس المستفادة من الحرب على إيران ضرورة قيام الدول المنتجة للنفط، بما فيها ليبيا والجزائر ونيجيريا وأنغولا والغابون ودول الخليج وكازاخستان وأذربيجان، بتسريع التنويع الاقتصادي، لأن الاعتماد الأحادي على النفط يحمل مخاطر استراتيجية، ما يتطلب تسريع التحول نحو الصناعات المتقدمة، وتقليل مساهمة النفط في الناتج المحلي، وتعزيز الاقتصاد المعرفي لجذب استثمارات أقل حساسية للصدمات الجيوسياسية.
وقد أدركت الدول المستوردة للنفط في آسيا وأوروبا خطورة اعتمادها على النفط والغاز في أعقاب الحرب على أوكرانيا والعدوان على إيران، ورأت أهمية تنويع مصادر الطاقة باعتبارها أولوية أمن قومي، بعد أن أثبتت الأزمة أن أمن الطاقة ليس مسألة اقتصادية فقط، بل قضية استراتيجية، واتخذت بعض هذه الدول خطوات تمثلت في توسيع عقود الاستيراد طويلة الأجل من مصادر متعددة، وزيادة المخزون الاستراتيجي الذي أثبت أهميته وفاعليته أثناء فترة الحرب، بعد أن تم سحب جزء منه على مراحل، كما قرر بعضها تسريع التحول إلى الطاقة المتجددة (الرياح والشمس)، وكذلك الاستثمار في الطاقة النووية. كما يتوقع أن تعمل الدول الآسيوية الكبرى مثل الصين واليابان والهند وكوريا على تطوير ممرات برية بديلة والاستثمار في موانئ خارج مناطق التوتر مع تعزيز الشراكات الإقليمية لتأمين الإمدادات.
كما عززت الحرب على إيران وإغلاق المضيق الحجة السياسية والاقتصادية للتحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري، خاصة في أوروبا، حيث لم تعد الطاقة النظيفة مجرد التزام بيئي، بل أداة تحرر من المخاطر الجيوسياسية.
ورغم المكاسب المؤقتة التي جنتها شركات النفط والغاز الأمريكية بعد أن ارتفعت صادراتها إلى آسيا وأوروبا وحققت أرباحًا استثنائية نتيجة ارتفاع الأسعار الفورية وتوسيع الهوامش الربحية وزيادة الطلب على الغاز الأمريكي كبديل آمن فإن الاقتصاد الأمريكي لم يكن في معزل عن آثار الأزمة، حيث أدى ارتفاع أسعار الطاقة خلال فترة الحرب إلى الضغط على تكاليف الإنتاج وتراجع ثقة المستهلكين ومراجعة معدلات النمو الاقتصادي. إن إعادة فتح المضيق خففت هذه الضغوط مما يدعم تحسن إنفاق المستهلكين واستقرار قطاعي النقل والصناعة وتعزيز توقعات النمو قصير الأجل، كما عزز ارتفاع أسعار النفط أثناء الحرب من مخاوف ارتفاع معدل التضخم من جديد، وقد نتج عن إعادة فتح المضيق تهدئة أسعار الطاقة وتخفيف الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي ودعم احتمالات استقرار السياسة النقدية.
كما استفادت أسواق الأسهم الأمريكية فورًا من تراجع المخاطر الجيوسياسية، وشهدت المؤشرات الرئيسية صعودًا قويًّا وعاد الاستقرار إلى قطاعات النقل والصناعة أي أن أسواق المال انتقلت من سيناريو أزمة ممتدة إلى سيناريو احتواء محسوب.
إن أهم الدروس المستفادة من الأزمة هو ضرورة أن تدرك الدول المنتجة للنفط اليوم حاجتها إلى التنويع الاقتصادي والأمني (بدائل لوجستية تتمثل في خطوط أنابيب تربطها بموانئ خارج مناطق التوتر)، أما الدول المستوردة للنفط فإنها بحاجة إلى استقرار طاقي أكبر، والدرس الأخير هو أن الاقتصادات الوطنية تفضل الاستقرار خلافًا لما تهدف إليه الشركات النفطية التي تسعى إلى التربح من الأزمات، وإن عودة السفن إلى عبور المضيق لا تعني أن العالم بعد الأزمة سيعود إلى الحالة التي كان عليها قبلها، بعد أن تغير مفهوم الطاقة جذريًّا، وأصبح أكثر ارتباطًا بالسياسة والجغرافيا أكثر من أي وقت مضى.
The post ما بعد هرمز.. الهدنة الهشة وتداعياتها appeared first on الموقف الليبي.





