ما بعد الضربة: قوةٌ بلا حسم.. وحربٌ تفتح أبواب إنهاكٍ أطول
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كتب زياد فرحان المجالي -
في لحظات الحرب الكبرى، ينجذب كثيرون إلى ضجيج النار أكثر من هدوء النتيجة. تتجه الأنظار سريعًا إلى حجم الضربة، إلى عدد الأهداف، إلى كثافة القصف، إلى صور الدخان والانفجارات، وكأن المشهد العسكري وحده قادر على أن يختصر الحقيقة كلها. لكن التجربة تقول دائمًا إن الحروب لا تُفهم من ذروة النار، بل مما يبقى بعدها. فهناك فرق كبير بين ضربة تملأ الشاشات، وضربة تغيّر التاريخ فعلًا. وهناك فرق أعمق بين قدرة هائلة على التدمير، وبين قدرة حقيقية على إنتاج نهاية مستقرة.
ومن هنا، فإن قراءتي لما جرى بعد الضربة لا تقودني إلى الحديث عن حسمٍ كامل، ولا عن انتصارٍ نهائي، بل إلى نتيجة أكثر تعقيدًا وأكثر صدقًا: المنطقة لم تخرج من الضربة إلى الاستقرار، بل خرجت منها إلى طور جديد من الصراع، أشد إنهاكًا وأطول عمرًا وأقل قابلية للحسم السريع.
هذه هي الفكرة المركزية التي أراها اليوم بوضوح. فالضربة كانت كبيرة، نعم. والرسائل العسكرية كانت مباشرة وقاسية، نعم. لكن ما تلاها لم يحمل ملامح نهاية واضحة، بل حمل ملامح مرحلة مفتوحة: توتر مستمر، إعادة تموضع، قلق سياسي، حسابات عسكرية متجددة، وخشية كامنة من أن ما جرى لم يكن سوى جولة ضخمة داخل صراع لم يبلغ خاتمته بعد.
في تقديري، المشكلة الأساسية ليست في حجم الضربة، بل في حدود ما أنتجته الضربة. فمن يملك القدرة على الإيذاء لا يملك بالضرورة القدرة على الحسم. ومن ينجح في توجيه صفعة عسكرية قاسية، لا ينجح تلقائيًا في تحويلها إلى يقين سياسي. وهذا تحديدًا ما يجعلني أميل إلى القول إن ما جرى كشف حدود القوة أكثر مما أثبت اكتمالها. لقد أظهرت الأطراف المتفوقة أنها قادرة على الضرب، لكنها لم تُثبت بعد أنها قادرة على إغلاق المشهد وإنتاج وضع نهائي مستقر.
وهنا تكمن العقدة الحقيقية. لأن التفوق العسكري، مهما بلغ، لا يساوي بالضرورة نجاحًا استراتيجيًا كاملًا. النجاح الاستراتيجي لا يُقاس فقط بما تم تدميره، بل بما تبدّل فعلًا في بنية الصراع، وفي صورة الردع، وفي شكل الغد السياسي. فإذا كان الغد ما يزال محمّلًا بالقلق والاحتياط والاحتمال الدائم للعودة إلى النار، فهذا يعني أن الضربة، رغم قوتها، لم تنجز وحدها وظيفة النهاية.
أنا أرى أن ما حدث بعد الضربة أكد أن المنطقة دخلت مرحلة ما بعد الصدمة، لا ما بعد الحرب. وهذا فارق جوهري. لأن ما بعد الحرب يفترض أن موازين جديدة استقرت، وأن صورة المرحلة التالية باتت أوضح، وأن القوة نجحت في فرض منطقها النهائي. أما ما بعد الصدمة أو ما بعد الضربة، فهو زمن الارتباك وإعادة الحسابات وإعادة توزيع المخاوف. هو الزمن الذي لا تعرف فيه الأطراف إن كانت قد ربحت فعلًا، أم أنها فقط منعت خسارة أكبر. وهو الزمن الذي تبدو فيه الهدنة أقل من سلام، والردع أقل من حسم، والتفوق أقل من نهاية.
في هذا السياق، لا يبدو لي أن أحدًا خرج من المشهد مطمئنًا بالكامل. الطرف الذي استخدم القوة خرج وهو يعرف أن الضربة لم تتحول بعد إلى استقرار سياسي مضمون. والطرف الذي تلقى الضربة خرج وهو يعرف أن النجاة من السقوط لا تعني النجاة من الاستنزاف. وبينهما بقي الإقليم كله في منطقة رمادية: لا حرب أُغلقت نهائيًا، ولا تسوية نضجت، ولا يقين وُلد، بل فقط واقع جديد أكثر هشاشة وتعقيدًا.
وهذا ما يدفعني إلى القول إننا أمام لحظة انكشاف، لا لحظة تتويج.
انكشاف لحدود القوة حين تُستخدم من دون أن تنتج يقينًا.
وانكشاف لحدود الردع حين ينجح تكتيكيًا لكنه لا يفرض صورة سياسية نهائية.
وانكشاف كذلك لحدود الخطاب الذي يَعِد كثيرًا، ثم يصطدم بأن الميدان، مهما كان مذهلًا، لا يمنح دائمًا النتائج التي تتخيلها اللغة المتحمسة.
المشكلة في مثل هذه اللحظات أن غياب الحسم لا يقود بالضرورة إلى التراجع، بل قد يقود إلى مزيد من التوتر. فالقيادات التي لا تحصل من الضربة الأولى على المعنى السياسي الذي تريده، قد تنجذب إلى فكرة استخدام القوة مرة أخرى، لا لأن ذلك هو الخيار الأفضل دائمًا، بل لأن النقص في المعنى يدفع أحيانًا إلى البحث عن جرعة إضافية من النار. وهنا بالذات تكمن الخطورة: أن تتحول الحرب من أداة لتحقيق هدف واضح إلى أداة لإدارة مأزق مفتوح. وعندما تصل الحروب إلى هذه المرحلة، تصبح أكثر كلفة وأقل وضوحًا وأشد قابلية للتمدد.
أنا شخصيًا لا أرى في هذا المشهد صورة نصر كامل، كما لا أرى فيه صورة انهيار كامل. أرى شيئًا آخر: أرى قوة عالية، لكن حسمًا منخفضًا. أرى ضربات قاسية، لكن نتائجها السياسية أقل اكتمالًا من حجمها العسكري. أرى نارًا كثيفة، لكني لا أرى معها نهاية ناضجة بالمقدار نفسه.
وهذا ليس تفصيلًا لغويًا، بل جوهر المرحلة كلها. لأن الفرق بين الحروب القديمة والحروب التي نعيشها اليوم في هذه المنطقة، أن القدرة على التدمير لم تعد كافية وحدها لصناعة الغد. الخصوم لم يعودوا يُقاسون فقط بما يفقدونه تحت النار، بل أيضًا بما يملكونه من قدرة على الصمود، وعلى امتصاص الضربة، وعلى إطالة أمد الكلفة، وعلى منع الطرف المقابل من التمتع بنتيجة نهائية نظيفة. ولهذا تبدو الحروب هنا، مهما بلغت شدتها، أقرب إلى معارك كسر إرادات طويلة، لا إلى لحظات حسم تقليدية خاطفة.
وفي هذا المعنى، فإن القراءة الرشيدة لما بعد الضربة يجب أن تتحرر من الوهمين معًا: وهم الانتصار السريع الكامل، ووهم الانهيار السريع الكامل. فالمشهد لا يقول هذا ولا ذاك. المشهد يقول إن الصراع لم ينتهِ، بل أعاد ترتيب نفسه على مستوى أعلى من التوتر والكلفة. يقول إن الأطراف كلها دفعت أثمانًا، وإن أحدًا لم يحصل بعد على راحة النهاية. ويقول أيضًا إن المنطقة، مرة أخرى، تثبت أنها قادرة على ابتلاع الضربات الكبرى ثم إعادة إنتاج الأسئلة نفسها، لأن جذور النزاع فيها أعمق من أن تُقتلع بجولة واحدة مهما كانت عنيفة.
من هنا، فإن خلاصة موقفي ليست أن الحرب حسمت المشهد، بل أنها كشفت المشهد. كشفت أن القوة، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لصناعة الاستقرار. وكشفت أن التفوق العسكري قد يخلق لحظة صاخبة، لكنه لا يخلق دائمًا نظامًا سياسيًا مستقرًا. وكشفت قبل ذلك وبعده أن الشرق الأوسط ما يزال مكانًا تُختبر فيه قدرة النار على الذهاب إلى أبعد من الخراب، وغالبًا ما تفشل.
لهذا أقول بوضوح:
ما بعد الضربة ليس زمن الانتصار النهائي، بل زمن الأسئلة الثقيلة.
ليس زمن الاطمئنان، بل زمن القلق المنظم.
ليس زمن إعلان النهاية، بل زمن اختبار ما إذا كانت القوة تستطيع أن تنتج أكثر من المشهد، وأكثر من الرعب، وأكثر من الدمار.
أما النتيجة التي أخرج بها شخصيًا، فهي بسيطة في عبارتها، ثقيلة في معناها:
الضربة كانت كبيرة، لكن ما بعدها أثبت أن القوة وحدها لا تكفي.
ولهذا لم يولد الاستقرار، ولم تُغلق الحرب فعلًا، بل وُلد طور جديد من الصراع:
أطول عمرًا، أعلى كلفة، وأقل يقينًا.
وهذه هي الحقيقة الأوضح في تقديري:
لسنا أمام لحظة نصر مكتمل، بل أمام لحظة تكشف فيها الجميع حدودهم.
ولهذا فإن العنوان الأدق لما نراه ليس حسمًا تاريخيًا، بل قوةً بلا حسم… وحربًا تفتح أبواب إنهاكٍ أطول.





