في دوائر "حزب الله" المعنية، ثمة قناعة راسخة بأن ما من معطى عملي جديد يوحي إمكان انفتاح وشيك لباب التواصل والحوار بينه وبين الجانب الأميركي وانكسار جدار العداء التاريخي بينهما، خصوصاً بعد الموقف الأخير لوزارة الخارجية الأميركية الذي وصف الحزب بأنه فصيل تابع لـ الحرس الثوري الإيراني والذي عدّ تصعيداً من واشنطن، فضلاً عن أن الجانب الأميركي لم يلتزم يوماً وعداً أعطاه لـ لبنان بشأن ممارسة الضغوط على إسرائيل لإبداء مرونة في مفاوضتها معه.

وحيال ذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو إذا كانت تلك قناعة الحزب الثابتة فما الذي دفع القيادي في الحزب وأحد أبرز الناطقين بلسانه محمود قماطي إلى إطلاق موقف هو الأول من نوعه، عندما قال أن الحزب "لايغلق الباب نهائياً أمام إمكان التواصل المباشر مع الأميركيين، وأن القرار بهذا الشأن سيتخذ وفق المصلحة والظروف المناسبة"؟
رسالة واعية مقصودة
تقر جهات معنية في الحزب أن ما أطلقه قماطي لم يكن قولاً مرتجلاً خصوصاً أن صاحبه عبّر عنه في مقابلة مع محطة تلفزيون الحزب (المنار)، كدلالة على أنه رسالة واعية مقصودة موجهة إلى عنوان محدّد ومعروف، وهي تأتي في سياق وتوقيت مدروسين.
أكثر من ذلك، تقر تلك الجهات أن "الرسالة" لم تأت من فراغ، بل إنها تلت نقاشاً مبدئياً دار في أروقة الحزب الداخلية عنوانها العريض "ما المانع الحائل بعد دون فتح نوافذ حوار يوماً ما مع الجانب الأميركي؟"، ما يعني أن حرمة التواصل التاريخية مع هذا الجانب بدأت تتآكل داخل الحزب.
ومع بلاغة ذلك، فإن لدى الجهات تلك قناعة مفادها أن:
-لا جدوى قريبة من أي حوار محتمل مع الأميركي.
- وأن الأميركي نفسه ، خصوصاً مع رئاسة دونالد ترامب، لايمكن أن يؤدي دور الوسيط المستعد لأخذ مسافة عن الاسرائيلي.
وعليه، فان السؤال يبقى حاضراً بقوة لماذا والحال هذه اندفع قماطي وفي هذا التوقيت بالذات لإطلاق موقفه المثير هذا؟ واستطراداً ما هي الأبعاد والجوانب المخفية والمضمرة في رسالة الحزب الذي اعتاد أن تكون الرسائل الصادرة عنه محسوبةً بدقة؟
الذين يناصبون الحزب العداء لديهم بطبيعة الحال تفسير جاهز ومفاده أن الحزب في وضع التراجع والفقد التدريجي لأوراق القوة التي كان يملكها، وصار مجبراً على انتهاج المرونة والتخلي عن أدائه المكابر تحاشياً لمزيدٍ من الخسارات المحتملة وأبرزها خسارته تلة علي الطاهر، وحفاظاً على ما تبقى بحوزته من أوراق قوة تحفظ له دوراً في قابل الأيام .
وفي المقابل، فإن من الطبيعي أن يكون لدى الحزب تفسير آخر لهذا السلوك المستجد، لذا فإنه ينفي أن يكون طرقه الخفيف والأولي على باب واشنطن، هو بمثابة ربط نزاع مع المرحلة المقبلة وإقرار ضمني بالتغيرات والتحولات العاصفة التي تلت عملية "طوفان الاقصى" والتي لاتزال تداعياتها تتوالى حتى الآن .
وفي المقابل، يستغرب الحزب أن يلقى موقفه الانفتاحي الذي ورد على لسان قماطي هذا الصدى الواسع وهذه التفسيرات المختلفة، فهو لايبتعد إطلاقاً عن الموقف الانفتاحي الذي عبّر عنه قبيل فترة الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم عندما أعلن انفتاحه على الحوار مع نظام دمشق الحالي.
وإذا كان ثمة من يقول أن موقف قاسم أتى بعد مقدمات ورسائل انفتاحية متعددة أتته من دمشق نفسها، وتجلى أبرزها في رفض الرئيس السوري أحمد الشرع دعوات وجهت اليه لدخول لبنان والتعامل مع الحزب، فإن الاميركي نفسه دأب على بعث رسائل انفتاحية للحزب ورد بعضها على لسان ترامب نفسه، وكان آخرها تصريح الموفد الاميركي الخاص السابق الى بيروت طوم براك عندما أقرّ أنه لايمكن إنجاز تسوية في لبنان وايران و"حزب الله" لايجلس على طاولتها .
وإذا كان ثمة من يأخذ على الحزب تراجعه عن موقفه التاريخي الذي تجاهل في السابق دعوات أميركية للتحاور وردته عبر رسل ووسطاء، معتبراً أن التجاوب معها محرم، فإن الجهات في الحزب نفسها تقول أنه فات هؤلاء أن الاوضاع تحولت، فإذا كانت طهران تحاور واشنطن عبر وسطاء، فإن حركة "حماس" أوفدت الى القاهرة أخيراً من يحاور مباشرة، وفداً أميركياً، وبذا انفتحت تلقائياً أبواب التحاور مع الاميركي.
ومن البديهي أن الحزب لايقيم اعتباراً لرأي يقول أن مسارعته الى إعلان الانفتاح على الحوار مع واشنطن إنما أتى محاولة أخيرة من جانبه لمنع الهجوم الاسرائيلي المرتقب على تلة علي الطاهر، إحدى أبرز قلاعه الاستراتيجية، ليقينه (الحزب) أن نتنياهو مصرّ على صنع انجازات ميدانية تخدم مصالحه الانتخابية سواء في لبنان أو في غزة أو سوريا، وأخيراً فتحه باب الاشتباك مع أردوغان في إطار مسعى منه لاعادة إنتاج دوره كحامٍ لأمن الكيان.


