م. وائل سامي السماعين : الانقسام الفلسطيني من 1948 إلى 2007 .. الطريق إلى ضياع حلم الدولة
•يقال إن التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه كثيراً ما يعيد إنتاج أخطائه عندما لا تُستخلص العبر منها.
•ولعل القضية الفلسطينية تقدم أحد أبرز الأمثلة على ذلك.
•فما شهدته الساحة الفلسطينية في أعقاب نكبة عام 1948 من انقسام سياسي حول مستقبل الضفة الغربية، يجد اليوم أصداءً واضحة في الانقسام القائم بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وكأن الفلسطينيين يقفون مرة أخرى أمام...
هذا الخبر من أخبارنا. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
يقال إن التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه كثيراً ما يعيد إنتاج أخطائه عندما لا تُستخلص العبر منها. ولعل القضية الفلسطينية تقدم أحد أبرز الأمثلة على ذلك. فما شهدته الساحة الفلسطينية في أعقاب نكبة عام 1948 من انقسام سياسي حول مستقبل الضفة الغربية، يجد اليوم أصداءً واضحة في الانقسام القائم بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وكأن الفلسطينيين يقفون مرة أخرى أمام اختبار تاريخي قد يرسم مستقبل قضيتهم لعقود قادمة.
فبعد حرب عام 1948 انقسمت الرؤية الفلسطينية بين مشروعين؛ الأول دعا إلى وحدة الضفة الغربية مع المملكة الأردنية الهاشمية ، والثاني، بقيادة الحاج أمين الحسيني، رفض ذلك وتمسك بقيام دولة فلسطينية مستقلة. وبغض النظر عن تقييم أي من الموقفين، فإن النتيجة كانت غياب موقف فلسطيني موحد في مرحلة كانت القضية بأمسّ الحاجة إلى وحدة القرار والمرجعية السياسية.
وبعد نحو ستة عقود، عاد الفلسطينيون إلى انقسام من نوع آخر. فمنذ عام 2007 تعيش الساحة الفلسطينية انقساماً سياسياً ومؤسسياً بين السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحركة حماس في قطاع غزة، ولكل منهما مؤسساته، ورؤيته السياسية، وتحالفاته، وأسلوبه في إدارة الصراع.
ورغم أن حركة حماس تؤكد في خطابها السياسي تمسكها بوحدة الأراضي الفلسطينية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تقود سياساتها، بقصد أو بغير قصد، إلى نتيجة مختلفة؟ ففي السياسة لا تُقاس المشاريع بالنوايا المعلنة، وإنما بالنتائج التي تترتب عليها. وإذا استمر كل طرف في ترسيخ مؤسساته وإدارته وتحالفاته بصورة منفصلة، فإن خطر تحول الانقسام إلى واقع سياسي دائم يصبح احتمالاً لا يمكن تجاهله.
إن أخطر ما في هذا الانقسام ليس مجرد الخلاف السياسي، بل احتمال تحوله مع مرور الزمن إلى واقع جغرافي وسياسي دائم، بحيث يصبح قطاع غزة والضفة الغربية كيانين منفصلين عملياً، لكل منهما نظامه السياسي وإدارته وعلاقاته الإقليمية والدولية، وهو ما قد يضعف فرص قيام دولة فلسطينية موحدة في المستقبل .
ومن هنا تبرز أهمية قراءة دروس التاريخ. ففي نهاية الأربعينيات أدى الانقسام الفلسطيني إلى تعدد المرجعيات السياسية، بينما جاء ضم الضفة الغربية إلى الأردن في ظل غياب توافق فلسطيني شامل. أما اليوم، فإن استمرار الانقسام قد يفتح الباب أمام ترتيبات سياسية أو أمنية أو إدارية تُفرض على كل منطقة بصورة منفصلة، بدلاً من التعامل مع الضفة الغربية وقطاع غزة باعتبارهما وحدة سياسية وجغرافية واحدة.ولا شك أن الحرب الأخيرة على غزة، وما خلفته من دمار إنساني ومادي هائل، إلى جانب تعقيدات المشهدين الإقليمي والدولي، زادت من حساسية هذه المرحلة. وإذا استمر كل طرف فلسطيني في التمسك برؤيته دون التوصل إلى صيغة وطنية جامعة، فإن خطر ترسيخ الانفصال بين الضفة الغربية وقطاع غزة سيصبح أكثر واقعية، حتى وإن لم يكن هدفاً معلناً لأي طرف.ولا تقع المسؤولية على طرف فلسطيني واحد، فالقضية الفلسطينية ظلت على امتداد تاريخها ساحة لتداخل الاحتلال، والتدخلات الإقليمية، والانقسامات العربية، والمتغيرات الدولية. غير أن ذلك لا يعفي القوى الفلسطينية من مسؤوليتها الوطنية في حماية وحدة القرار الفلسطيني واستقلاله.
إن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تُبنى على تعدد الولاءات أو تعدد مراكز القرار. فكلما ازداد ارتباط أي فصيل بأجندات إقليمية، تراجعت قدرة الفلسطينيين على صياغة مشروع وطني مستقل وموحد يعبر عن مصالحهم العليا. وقد أظهرت التجارب أن تغليب المصالح الإقليمية على المصلحة الوطنية يضعف القرار الفلسطيني ويمنح الآخرين مساحة أوسع للتأثير في مسار القضية.
واليوم، يثار أيضاً تساؤل مشروع حول مدى تأثير التحالفات الإقليمية، ومنها العلاقة الوثيقة بين حركة حماس وإيران، على استقلالية القرار الفلسطيني. ويرى منتقدو هذا النهج أن ارتباط أي فصيل بمحاور إقليمية، بما فيها المحور الذي يقوده الحرس الثوري الإيراني، قد يجعل الأولويات الإقليمية تتقدم أحياناً على متطلبات الإجماع الوطني الفلسطيني، وهو ما يسهم في إطالة أمد الانقسام وإضعاف وحدة الصف.
وإذا استمرت السياسات الحالية دون مراجعة وطنية شاملة، فإن الخطر لن يقتصر على استمرار الانقسام، بل قد يمتد إلى ترسيخ واقع انفصال دائم بين قطاع غزة والضفة الغربية، بما يهدد فكرة الدولة الفلسطينية الموحدة التي ناضل الفلسطينيون من أجلها لعقود.
لقد علمتنا تجربة عام 1948 أن الانقسام لا يغيّر فقط موازين القوى، بل قد يعيد رسم الجغرافيا السياسية للقضية الفلسطينية. واليوم يقف الفلسطينيون أمام اختبار تاريخي جديد؛ فإما أن يعيدوا بناء مشروع وطني موحد يستند إلى قرار فلسطيني مستقل، وإما أن يتركوا للانقسام، وللتجاذبات الإقليمية والدولية، مهمة رسم مستقبلهم.
فالتاريخ لا يسجل أسماء المنتصرين في الخلافات الداخلية، بل يخلّد الشعوب التي نجحت في توحيد صفوفها وحماية مشروعها الوطني. والدولة الفلسطينية لن تأتي على طبق من فضة، ولن تُمنح لمجرد عدالة القضية، بل ستظل استحقاقاً وطنياً يتطلب من الفلسطينيين أن يثبتوا للعالم قدرتهم على تجاوز الانقسام، وتوحيد القرار، وبناء مؤسسات دولة قادرة على تحمل مسؤولياتها. عندها فقط سيصبح الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية أكثر رسوخاً، لأن العالم لا ينظر إلى عدالة القضية فحسب، بل إلى قدرة أصحابها على إدارة دولتهم وصون وحدتها.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.


